ليست كل الدول التي تفشل في تحقيق أهدافها… تجهل الطريق إليها.
بعض الدول تعرف جيدًا ما تريد،لكنها لا تملك الشجاعة الكافية لتقوله بصوتٍ سيادي.
هذه ليست أزمة معلومات…ولا حتى أزمة موارد، بل أزمة تعبير عن الإرادة.
في السودان، تبدو الدولة – في كثيرٍ من الأحيان – كمن يُحسن إدارة الملفات،
لكن لا يُحسن تمثيل موقفه منها.
نكتب السياسات…لكننا نتردد في الدفاع عنها.
نُنشئ المؤسسات…لكننا نُبقيها معلّقة بين التوافق والتأجيل.
نُعلن المواقف…ثم نُعيد تفسيرها تحت ضغط اللحظة.
نُدير الأزمات…لكننا نؤجل حسم الخيارات.
وهنا تحديدًا تتشكل ما يمكن تسميته بفجوة التعبير:
حين تتوفر القدرة على الإدارة…وتغيب الجرأة على الإرادة.
خذوا مثالًا واحدًا فقط:
نتحدث كثيرًا عن مرحلة ما بعد الحرب…
لكن لا وجود حتى الآن لرؤية إعمار وطنية واضحة،
لا إطار زمني مُعلن،
لا أولويات مُحددة،
لا تعريف دقيق:
هل الإعمار إسكان؟
أم اقتصاد؟
أم مؤسسات؟
أم كرامة مواطن؟
نُدير الحديث عن الإعمار…
لكننا لم نُعبّر بعد عن إرادة الإعمار.
ومثالًا آخر:
لا توجد – حتى اللحظة – استراتيجية وطنية تتحدث بوضوح
عن الحق الخاص للمواطن
في التعويض،
في العدالة،
في جبر الضرر،
في الاسترداد القانوني لما سُلب منه خلال سنوات الفوضى والانتهاك.
نتحدث عن الدولة…ولا نتحدث عن صاحب الدولة.
نرى الفساد…لكننا لا نجرؤ حتى على قول: “هذا فساد”.
نرصد الخلل…لكننا نُعيد توصيفه كمشكلة إجرائية،
أو تحدٍ مرحلي،
أو تعقيد فني.
وكأن تسمية الأشياء بأسمائها أصبحت مخاطرةً سياسية…لا واجبًا سياديًا.
وحتى في الفضاء الثقافي…طالعنا في مواقع التواصل الاجتماعي ما بين تقريعٍ وتمجيد لأغنية “نفع بلدو”.
هل وصلنا إلى ذلك الحد من السماجة والسذاجة؟
ولعل نتائج الاستطلاع الذي قام به مركز الخبراء العرب حول تغيير المناهج الدراسية في السودان تُجسّد هذه الفجوة بصورةٍ صادمة:
إذ أظهرت النتائج انقسامًا حادًا في الرأي العام، ليس فقط حول محتوى التغيير، بل حول فكرة التغيير نفسها.
فبينما يرى البعض أن إصلاح المناهج ضرورة وطنية لإعادة بناء الإنسان السوداني بعد سنوات الحرب والتشظي…
يخشى آخرون من أن يكون التغيير مدخلًا لإعادة تشكيل الهوية، أو استبدال القيم، أو تمرير سردياتٍ لا تُعبّر عن وجدان المجتمع.
فهل ستجد نتائج هذا الاستطلاع أُذنًا تسمع؟ وقلبًا على السودان يعقل؟
إذا كنا اليوم لا نتكلم عن حق المواطن البسيط، أخشى أن يأتي يوم نصمت فيه عن كل السودان.
الأخطر من ذلك…
أن تمجيد الأشخاص بات – في بعض السياقات – سِمةً من سمات العبودية المُنظّمة.
حيث يُصبح السؤال قلة ولاء،
والاستفسار تشكيكًا،
والنقد خيانة.
فتُجهَّل العقول،
ويُجرَّم التفكير،
وتُدار الدولة بمنطق التصفيق…لا بمنطق المساءلة.
حين يُختزل الوطن في شخص، تُدار الدولة بالولاء… لا بالقانون.
وهذه معضلةٌ كبيرة
أفرغت القانون — خصوصًا في جزئية السلطة التقديرية — التي قد تُقدِّر، بناءً على سلطاتها، أن تصل حدّ تجاوز تطبيق القانون ذاته الذي منحها إياه القانون ذاته.
ما يجعلنا نطرح سؤالً #أصل_القضية:
هل ما زالت فكرة المستعمر راسخةً داخلنا؟
“فرّق… لتسد.”
مالكم… كيف تحكمون؟
رسالة إلى الشعب السوداني:
أفيقوا….إن لم تتداركوا أنفسكم، وتكونوا سودانيين بحق…فذلكم البلد الذي جعله الله لكم موطنًا وأرضًا، قد لا يجد من يعبّر عنه حين يحتاج الصوت.
هذا بلاغ.
وستذكرون ما أقول لكم…وأفوض أمري إلى الله.


