ما بين أحداث مستريحة – بغض النظر عن توصيفها كمحاولة اغتيال للشيخ موسى هلال أو رسالة تحذير للنظارات والأعيان – وما بين ١٣ أبريل ٢٠٢٣م التي سبقت انفجار ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، لا نقف أمام وقائع أمنية معزولة، بل أمام مسارٍ يكشف خللًا بنيويًا في علاقة الدولة بمجتمعها.
الحدثان ليسا منفصلين.
بل يمثلان منعطفين في منحنى إعادة تشكيل الشرعية.
وهنا يبدأ تقدير الموقف.
وتبدأ #أصل_القضية
أولا : من سقوط النظام إلى فجوة الإدراك ” تسقط بس”
عند سقوط نظام عمر البشير، انشغل الجميع بالتحول السياسي.
لكن التحول الأخطر كان في إعادة تعريف مصدر الشرعية.
“تسقط بس” كانت أداة إسقاط،
لكنها لم تكن مشروع بناء.
تقدمت قوى الحرية والتغيير بوصفها ممثلًا حصريًا للمدنيين،
وتكرست سردية مقابلة تصف المؤسسة العسكرية باعتبارها امتدادًا للشمولية.
ومن هنا دخلنا في استقطاب صفري،
حيث تُفهم السياسة كصراع وجود، لا كشراكة تأسيس.
ثانيا : الفجوة لم تولد يوم 15 أبريل.
بل بدأت يوم فُصلت الشرعية عن الدولة وربطت بالشارع وحده.
13 أبريل: حين سبقت المؤشرات الحدث
قبل الانفجار الكبير، كانت هناك إشارات بنيوية واضحة:
● تحصينات غير معتادة، بدأت بالستارة الترابية على طول مباني القيادة العامة ثم انشاء الحائط الخرساني
●حديث عن بدائل لمؤسسات سيادية، وتحديدا في اختيار مطار مروي الدولي بديلا لمطار الخرطوم الدولي حال حدوث اي طاريء
● تصاعد توتر سياسي حول الاتفاق الإطاري.
هذه مؤشرات ما قبل النزاع في علم تحليل المخاطر.
لكن المجتمع كان مشغولًا بصراع السرديات.
وعندما يتعطل الإنذار المبكر المجتمعي،
يصبح الحدث مفاجئًا… رغم أنه لم يكن كذلك.
ثالثا : المعادلة الراهنة: انتصار عسكري… فجوة حكومية ” تسكت بس”
اليوم يمكن القول إن الجيش نجح في دحر التمرد واستعادة مساحات معتبرة من السيادة.
لكن في المقابل، لم تنجح الحكومة في استعادة الشعب بالقدر ذاته.
وهنا تتشكل الفجوة الإدراكية:
●الأمن يتقدم.
●الثقة لا تلحق به.
> والفخ واضح:إن تدخل الجيش لسد الفراغ السياسي، وُصف بأنه يسعى للسلطة. وإن ترك الفجوة تتمدد، تحولت انتصاراته إلى مادة للجدل.وهكذا يُستنزف النصر معنويًا.
■أين الخلل التنفيذي؟
المشكلة لم تعد أمنية.
بل تنفيذية وإدارية.
وأول اختبار حقيقي لذلك هو:
●إيلولة إدارة لجنة تهيئة العودة والإعمار إلى صميم عمل الجهاز التنفيذي بأي حال من الأحوال.
●إعادة الإعمار ليست ملفًا رمزيًا،
ولا منصة علاقات عامة، بل وظيفة سيادية تنفيذية خالصة.
كلما خرج هذا الملف من الإطار المؤسسي التنفيذي الواضح، تعززت الشكوك، واتسعت الفجوة.
> الناس لا تريد لجانًا، بل إدارة مسؤولة واضحة المعالم والمساءلة.
رابعا: التعليم كبوصلة للرأي العام
على حكومة الأمل أن تمعن النظر بجدية في نتائج الاستطلاع الأخير الذي أجراه مركز الخبراء العرب حول الرأي العام في المناهج الدراسية.
هذا الاستطلاع ليس شأنًا تعليميًا فحسب.
بل مؤشرًا إدراكيًا عميقًا.
حين يصبح ملف المناهج محل استقطاب واسع،
فهذا يعني أن المجتمع يبحث عن هويته في لحظة اضطراب.
وضع نتائج الاستطلاع موضع التحليل المؤسسي ضرورة، لا ترفًا:
ماذا تقول النتائج عن مستوى الثقة في القرار التربوي؟
ما دلالاتها على الانقسام الثقافي؟
هل المناهج أصبحت ساحة صراع سياسي بدل أن تكون أداة بناء وطني؟
التعليم هو الحقل الأكثر حساسية في تشكيل الوعي.
وأي اضطراب فيه يعكس خللًا أعمق في إدارة المرحلة.
تقدير المخاطر إذا استمرت الفجوة
إذا لم تُدار هذه المرحلة إداريًا بوعي، فالمسار المرجح هو:
●تآكل تدريجي في الثقة الحكومية.
إعادة إنتاج الاستقطاب تحت عناوين جديدة.
●انتقال التوتر من الميدان العسكري إلى المجال الخدمي والتعليمي.
●تحوّل النصر الأمني إلى عبء سياسي.
الخطر ليس في عودة التمرد بذات الصورة،
بل في استمرار التفكك الإدراكي.
كيف نكسر الفخ؟
الحل ليس في مزيد من القبضة.
ولا في ترك الفراغ.
الحل في ثلاث دوائر متكاملة:
١) وضوح الأدوار
الجيش: ضامن أمني وسيادي.
الحكومة: فاعل تنفيذي مسؤول عن الثقة والخدمات والعدالة.
أي اختلاط في الأدوار يعمق الشبهة
٢) تحويل النصر إلى مشروع حياة
ربط الأمن مباشرة بـ:
عودة الخدمات.
استقرار التعليم.
برنامج إعمار شفاف زمنيًا وماليًا.
المواطن يقيس السيادة بما يلمسه، لا بما يُعلن.
٣) إدارة الإدراك قبل الحدث
إنشاء منظومة رصد مبكر للخطاب العام،
وتحليل نتائج استطلاعات الرأي بصورة مؤسسية،
وتحويلها إلى سياسات لا إلى بيانات صحفية.
> الدولة الحديثة لا تفاجئها مشاعر مجتمعها.بل تقرأها قبل أن تتحول إلى أزمة.
خامسا : إعادة تعريف المرحلة
الجيش استعاد الأرض.
لكن استعادة الشعب مسؤولية الحكومة.
إذا أُديرت هذه المرحلة بعقل تنفيذي رشيد،
تحول النصر إلى تأسيس.
وإن أُهملت،
تحول إلى مادة استنزاف.
#أصل_القضية،،،
السودان لا يعاني من غياب القوة.
بل من هشاشة الجسر.
في رؤية الجسر والمورد:
الدولة جسر.
والمجتمع مورد.
الجيش ثبّت الجسر أمنيًا.
لكن المورد يحتاج إلى إدارة رشيدة ليجري بثقة.
إذا التحم الأمن بالإدارة الحكيمة،
صار الانتصار بداية عهد.
وإذا بقيت الفجوة،
ظل النصر معلقًا بين الميدان والوعي.
المعركة القادمة ليست عسكرية.
بل إدارية… إدراكية… تأسيسية.
وهذا…
هو #أصل_القضية.
كيف لا نخسر الوعي بعد أن كسبنا الميدان؟


