في لحظة إقليمية دقيقة، شهدت مدينة العلمين المصرية سلسلة من الاجتماعات غير المعلنة رسمياً بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة السوداني والمشير خليفة حفتر، قائد ما يعرف بـ”الجيش الوطني الليبي” والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. هذه اللقاءات، التي تمّت خلف أبواب مغلقة، تشير إلى محاولات تنسيق معقدة لمواقف الأطراف الثلاثة في ظل تصاعد التحولات الجيوسياسية في المنطقة.
خلفية اللقاء
تأتي اجتماعات العلمين في وقت بالغ الحساسية؛ فالسودان يتهم خليفة حفتر بدعم مليشيا الدعم السريع خاصة في أحداث المثلث الأخيرة وما زال الصراع الدموي بين الجيش و مليشيا الدعم السريع متقدا بينما تشهد ليبيا حالة من الجمود السياسي والانقسام بين شرقها وغربها، أما القاهرة، فتحاول أن تلعب دور الضامن الإقليمي وصاحبة المبادرات الهادئة عبر علاقاتها التاريخية والعسكرية مع الطرفين السوداني والليبي.
دوافع اللقاء
لكل طرف من الأطراف الثلاثة أجندته الخاصة:
* السودان: يسعى البرهان إلى حشد دعم إقليمي يعزز موقفه العسكري والسياسي، وربما يبحث عن قنوات لوجستية وإمدادية لدعم قواته فى مواجهة المليشيا و لديه من الأدلة ما يثبت دعم حفتر للمليشيا بالمال والعتاد وتسهيل هبوط الطائرات الإماراتية فى القواعد التى يسيطر عليها حفتر حاملة العتاد وتعمل فى نقل قوات المليشيا من مكان لآخر وتخلى فى الجرحى كم أن وجود البرهان فى مصر قادما من اسبانيا يوفر غطاء سياسي ودبلوماسي أحوج ما يكون إليه ويقلل من الضغوط الدولية التي تُمارس عليه.
* ليبيا: حفتر بدوره يسعى إلى تأمين حدوده الجنوبية، ويخشى من عواقب تمدد السيولة الأمنية فى الحدود إلى الداخل الليبي. كذلك، فإن علاقاته العسكرية مع مليشيا الدعم السريع تضعه في موقف معقد وبحاجة عاجلة لإعادة التوازن في تحالفاته، وربما التفاهم مع البرهان على خطوط حمراء جديدة.
* مصر: تلعب القاهرة دور الوسيط الحذر. فبينما تحرص على استقرار حدودها الجنوبية واعتبرها بمثابة الأمن القومى الذي لا تفريط فيه ،فإنها تراقب بقلق بالغ تنامي نفوذ القوى الأجنبية في السودان وليبيا على السواء. من هنا، يبدو أن الرئيس السيسي يعمل على تجميع أوراقه الإقليمية لمحاولة فرض وجود مصري على المسارات القادمة في البلدين المجاورين.
ما وراء الأبواب المغلقة
رغم غياب البيانات الرسمية، تسربت معلومات من مصادر مطلعة تؤكد أن المحادثات تطرقت إلى:
* إعادة تنظيم تموضع القوات في منطقة المثلث.
* التفاهم على منع تمدد الحركات المتمردة من و إلى دارفور.
* بحث آلية تعاون استخباري لمراقبة نشاط الجماعات العابرة للحدود.
* محاولة القاهرة طرح مبادرة سياسية “صامتة” تُمهد لهدنة في السودان.
قراءة في المشهد
لا يمكن قراءة هذه اللقاءات بعيدًا عن المتغيرات الدولية، إذ أن الانشغال الغربي بالحرب في أوكرانيا، والتجاذب الأميركي-الروسي في القارة الإفريقية وفرا هامشاً أكبر للقوى الإقليمية للعب أدوار أكثر استقلالية. إلا أن التحدي الحقيقي يظل في قدرة هذه اللقاءات على إنتاج مخرجات ملموسة، في ظل هشاشة التحالفات وتضارب الأولويات.
في الختام
اجتماعات العلمين ليست مجرد لقاء مجاملة بين قادة تربطهم علاقات تقليدية، بل هي محاولة لترتيب الأوراق قبل الانفجار الكبير المحتمل في الإقليم. إن فشل هذه اللقاءات في تحقيق اختراق حقيقي قد يعني مزيداً من الفوضى، لا سيما في السودان و ليبيا الذي بات ساحة تصادم إقليمي و دولي بأبعاد تفوق قدرة أي طرف منفرد على السيطرة عليها.