يحدثنا تاريخ السودان الحديث عن نماذج فريدة من التعايش السلمي والانصهار الاجتماعي في أقصى جنوب دارفور، حيث عاشت مجموعات إثنية متعددة عُرفت باسم الفراتيت في محيط منطقة الردوم، عند تفرع بحر العرب إلى نهري أده وأمبلاشا. وضمت هذه المجموعة قبائل الدانقو، والبندلة، والكريج، والبنقا، والكارا، والسارا، والرنقا، ثم اختلط بهم لاحقاً البارقرما والعرب الأتامنة وأعراق أخرى، في لوحة اجتماعية متجانسة تشكلت عبر قرون من التفاعل والمصاهرة والمصالح المشتركة. كانت تلك المنطقة تمثل حزام تماس حضاري ضمن الفضاء التاريخي لسلطنة الفور، ومثالاً حياً على قدرة السودان على إنتاج نموذج للتنوع المتعايش لا المتصارع.
غير أن هذا التوازن لم يسلم من العواصف السياسية. فقد تعرضت المنطقة لاضطرابات خلال الحكم التركي (1821–1885)، و خلال حقبة المهدية، شاركت هذه المجموعات في جيش الإمام محمد أحمد المهدي، قبل أن تعود إلى ديارها عقب زوال الدولة المهدية وسقوط سلطنة علي دينار عام 1916 . لكن أكثر الفترات قسوة وتأثيراً على تلك المحموعات كانت خلال الحكم البريطاني (1898–1956)، حين أُخضعت المنطقة لسياسات استعمارية أعادت تشكيل الخريطة السكانية والاجتماعية بصورة قسرية.
بلغت تلك السياسات ذروتها عام 1930، عندما أمر المفتش البريطاني بحرق قرية كفيا كنجي في إطار تنفيذ “سياسة المناطق المقفولة”، التي هدفت إلى الفصل الإداري والثقافي بين جنوب دارفور ومركز بحر الغزال وعاصمته راجا. لم يكن الحرق مجرد إجراء أمني، بل كان خطوة ضمن رؤية استعمارية تقوم على إعادة هندسة المجال الجغرافي والبشري، إذ أُجبر السكان على التوجه شمالاً وقطع صلاتهم التاريخية ببحر الغزال. ومنذ تلك اللحظة، بدأ التشظي الاجتماعي يتعمق، وتحولت منطقة الردوم وحفرة النحاس وكفيا كنجي إلى ما يشبه “أرض فراغ” بعد أن كانت فضاءً نابضاً بالحياة.
المفارقة أن هذه المنطقة ليست هامشاً جغرافياً، بل خزان استراتيجي بالغ الأهمية. فهي غنية بالموارد الطبيعية والمعادن النفيسة، بما في ذلك الذهب والماس واليورانيوم، إضافة إلى أراضٍ زراعية خصبة ومراعٍ واسعة. وبعد انفصال جنوب السودان عام 2011، أصبحت المنطقة حدودية متنازعاً على تبعيتها، واكتسبت أهمية مضاعفة لوقوعها ضمن المثلث الحدودي بين السودان وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى. وهنا يتجلى البعد الجيوسياسي العميق لهذه المنطقة فالموارد حين تقترن بالهشاشة الإدارية تتحول إلى مغناطيس للتدخلات الإقليمية والدولية.
ومع اندلاع حرب مليشيا الدعم السريع عام 2023، برزت المنطقة مجدداً في قلب المشهد، حيث أصبحت مسرحاً لنشاط المليشيا اللوحستى لتمويل الحرب ، بالسيطرة على الموارد وتهريبها عبر الحدود. وفي مناخ الفوضى الأمنية، تنشط شبكات وشركات عابرة للحدود تبحث عن مكاسب نهبية سريعة في بيئة مضطربة، مستفيدة من هشاشة الدولة وتفكك النسيج المحلي الذي ضُربت جذوره منذ عقود.
إن قراءة متأنية لهذا المسار تكشف أن ما يجري اليوم ليس وليد اللحظة، بل امتداد تاريخي لسلسلة من القرارات والسياسات الاستعمارية التي بدأت ملامحها الواضحة عام 1930، حين فُرض الفصل القسري وأُعيد رسم المجال الاجتماعي بالقوة. ثم تعمقت التداعيات بعد انفصال الجنوب، وبلغت أقصى درجات الوضوح مع حرب 2023. وعليه، فإن “الأصول العميقة للتآمر على السودان” في هذا الجزء من الوطن لا تُفهم إلا بردّها إلى سياقها التاريخي، حيث تتقاطع الجغرافيا بالثروة، وتلتقي الذاكرة الجمعية بالاستراتيجيات الدولية، في معادلة ظل السودان يدفع ثمنها جيلاً بعد جيل.


