السودان .. !!! بلد يتعجب فيه خبراء و علماء الاقتصاد، وتختلف فيه النظريات الاقتصادية و حير المنظمات و الهيئات الدولية و المحلية المختلفة ، مواردة كثيرة و فقير، أغلب مجتمعه شباب (60%) وغير منتج، وكل قطاعته ذات بعد استراتيجي كبير و غير مصنف عالميا ، وكل واحدًا منا ينظر إلى نظريته أو رأيه هو الصحيح و نختلف على الصحيح و الخطأ ولا ننظر إلى السودان بعين الوطن،و يتدهور الاقتصاد يوما بعد يوم، و الآن يمر الاقتصاد السوداني اليوم بمرحلة حرجة غير مسبوقة تتسم بانهيار شامل في كافة القطاعات الاقتصادية، من الزراعة والصناعة إلى الخدمات والتجارة. تضافرت عوامل داخلية و خارجية، سياسية وأمنية واقتصادية، لتقود البلاد إلى واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخها الحديث. ومع ذلك، لا يزال في الأفق ضوء يمكن التقاطه إن توفرت الإرادة السياسية، والرؤية الاقتصادية الإصلاحية، والتدخلات الهيكلية المدروسة، ونحن في هذا المقال نقدم قراءة تحليلية تشخيصية لمستقبل الاقتصاد السوداني حتى عام 2035، ويرتكز على بيانات فعلية ،و تقديرات منطقية، مع طرح رؤية تستشرف ملامح النهوض الممكن، وتحديد أكثر القطاعات الواعدة التي يمكن أن تقود النمو الاقتصادي الشامل علّها تفيد وتقدم بؤرة الضوء الذي نقصد.
#تشخيص الواقع الاقتصادي الراهن (2025):
1. الناتج المحلي الإجمالي (GDP): وفقا لتقديرات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، انخفض الناتج المحلي الإجمالي للسودان بأكثر من 30% منذ عام 2023، بفعل الحرب، وتدهور البنية التحتية، وانكماش الإنتاج الزراعي والصناعي، وتراجع الاستثمار الأجنبي.
2. التضخم وسعر الصرف: تجاوز معدل التضخم السنوي 400% في عام 2024، مع فقدان الجنيه السوداني لأكثر من 95% من قيمته أمام الدولار خلال السنوات الخمس الماضية، وانعكس ذلك في انفلات الأسعار، وركود الأسواق، وتدهور القدرة الشرائية.
3. ميزان المدفوعات والتجارة: سجل الميزان التجاري عجزًا مستمرًا بسبب انخفاض الصادرات (خاصة الذهب والماشية والصمغ العربي) مقابل ارتفاع الفاتورة الاستيرادية للغذاء والوقود، في ظل انكماش إنتاج النفط والاعتماد على الأسواق الخارجية لتلبية الحاجات الأساسية.
4. القطاع المصرفي والمالي: القطاع البنكي شبه معطل، والثقة فيه متدنية، مما ساهم في تآكل الادخار الوطني وانهيار الاستثمارات، خصوصا بعد توقف عمل بنك السودان المركزي في الخرطوم ونقل مركزه المؤقت إلى بورتسودان بسبب الحرب.
5. سوق العمل والبطالة: بلغت نسبة البطالة بين الشباب أكثر من 60%، مع توقف آلاف المنشآت الإنتاجية والخدمية، وغياب السياسات التشغيلية طويلة الأمد.
# الأسباب العميقة للانهيار الاقتصادي:
الحرب الدائرة منذ أبريل 2023، والتي دمرت سلاسل الإمداد، وأعاقت الأنشطة الإنتاجية، وهجرت الكفاءات البشرية، مع غياب الاستقرار السياسي والتخبط المؤسسي، وافتقار الدولة لرؤية اقتصادية كلية قابلة للتنفيذ، والاعتماد المفرط على تصدير المواد الخام دون قيمة مضافة، وضعف مريع للبنية التحتية في النقل والطاقة، وضعف الخدمات الأساسية (مياه، صحة، تعليم)، وفقدان السودان للفرص التمويلية الدولية بعد خروجه من برامج الإعفاء من الديون وتعليق الدعم من مؤسسات التمويل الدولية.
# سيناريوهات المستقبل حتى عام 2035:
السيناريو الأول: استمرار الانهيار (2025 – 2030) إذا استمرت الحرب الحالية، دون وجود اتفاق سياسي شامل، فمن المرجح أن يتواصل الانكماش الاقتصادي، مع زيادة الفقر إلى ما يفوق 80% من السكان، وبلوغ عدد السكان الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية إلى أكثر من 30 مليون شخص.
السيناريو الثاني: إصلاح متدرج وتعافي بطيء (2026 – 2035) في حال حدوث تسوية سياسية بين الأطراف المتحاربة خلال عام 2025، واستعادة مؤسسات الدولة تدريجياً، من المتوقع أن يبدأ الاقتصاد السوداني في التعافي، بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 3% – 5% بدءا من عام 2027، بشرط وجود دعم خارجي من الصناديق الدولية ومشروعات إعادة الإعمار.
السيناريو الثالث: قفزة تنموية مشروطة (2027 – 2035)هذا السيناريو يفترض:
1. وقف الحرب وتكوين حكومة انتقالية متوافق عليها.
2. إصلاح قانون الاستثمار، وفتح المجال أمام القطاع الخاص المحلي والأجنبي.
3. تطوير قطاعات إنتاجية مختارة كقائدة للنمو.
في هذا الإطار، يمكن أن يصل معدل النمو إلى 7% سنويا بحلول 2030، وتتحسن المؤشرات الاقتصادية تدريجيا، مع إعادة تأهيل البنية التحتية وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي والدولي.
# ما هو القطاع الاقتصادي الأكثر تأثيرًا على النمو حتى 2035؟
1. الزراعة والتصنيع الزراعي (القطاع الواعد الأول): يمتلك السودان 200 مليون فدان صالحة للزراعة، لا يُستغل منها إلا نحو 30% فقط، و فرص التوسع في زراعة الحبوب الزيتية، الذرة، الصمغ، والقطن، وربطها بالصناعات التحويلية، بجانب التصدير إلى الأسواق الخليجية والآسيوية يشكل ميزة تنافسية كبرى، وذلك بإنشاء مدن زراعية وصناعية متخصصة يمكن أن يخلق أكثر من 2 مليون وظيفة جديدة بحلول 2035.
2. قطاع التعدين (خاصة الذهب والمعادن الإستراتيجية): السودان ثاني أكبر منتج للذهب في إفريقيا، لكن 70% من الإنتاج خارج النظام الرسمي، ويتطلب ذلك إعادة هيكلة القطاع وتنظيم التعدين التقليدي يمكن أن يضيف مليارات الدولارات سنويا إلى الخزينة العامة، وهناك أيضا إمكانيات واعدة في المعادن الأخرى مثل (الحديد، النحاس، الكروم، والسيليكا).
3. قطاع الطاقة المتجددة: السودان يتمتع بموارد ضخمة من الطاقة الشمسية والمائية والرياح. و يحتاج السودان في التوسع بمشاريع الطاقة يمكن أن يقلل من فاتورة الوقود المستورد ويدعم الصناعة والزراعة.
# التوصيات الاستراتيجية
1. وقف للحرب مشروط من قبل الحكومة السودانية و إرساء استقرار سياسي شامل كشرط أولي لأي إصلاح اقتصادي.
2. تبني خطة وطنية للإعمار الاقتصادي تعتمد على القطاعات الإنتاجية ومشروعات القيمة المضافة.
3. تحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي بوسائل مشجعة تشمل (ضمانات قانونية، إعفاءات ضريبية، شراكات استراتيجية… إلخ).
4. إصلاح المنظومة الضريبية والمصرفية واستعادة الثقة في الجهاز المصرفي المحلي.
5. إطلاق مشروع نهضوي اقتصادي شامل يقوده مجلس وطني مستقل للتخطيط الاقتصادي حتى 2035.
وفي ختامه يمكن أن نقول ان رغم قتامة المشهد الراهن، إلا أن السودان لا يزال بلدا زاخرا بالفرص والإمكانات. إن مفتاح المستقبل يكمن في التحول من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد البناء، عبر رؤية تنموية شاملة تقودها مؤسسات قوية وشراكات متوازنة مع المجتمع الدولي. وعلى الرغم من التحديات، فإن طريق النهوض ممكن، بشرط أن تبدأ الخطوة الأولى من الآن، قبل أن يصبح الزمن عبئا لا يعوض.
( الإسراع واجب ولكن التخطيط و التنفيذ مهم).

