Popular Now

المشروع الثوري الغائب.. هل نحن بصدد “تغيير منهج” أم “تبديل وجوه”؟ .. بقلم/ محمد الخاتم تميم .. .. باحث أكاديمي وزميل بحثي سابق بجامعة درهام _ بريطانيا

سلسلة الحرب على السودان .. المقال (59) – مرحلة ما بعد الحسم… ومن يحاول عرقلتها .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

إشكالية تحديد المواقع التوراتية بين غور الأردن ووادي النيل ..( 2 من 2 ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

المشروع الثوري الغائب.. هل نحن بصدد “تغيير منهج” أم “تبديل وجوه”؟ .. بقلم/ محمد الخاتم تميم .. .. باحث أكاديمي وزميل بحثي سابق بجامعة درهام _ بريطانيا

في المقال السابق، وقفنا على أطلال السيادة السودانية المستباحة بين “زجر” الداخل و”ابتسامات” الخارج في برلين. واليوم، نغوص أعمق في جذور الأزمة لنكشف لماذا تفشل أحزابنا في أن تشبهنا، ولماذا يتحول الخطاب السياسي لنخبنا إلى حالة من “الهواية” والردح الرقمي بينما الأرض تحترق.

أولاً: فخ “فداسي” وسقوط وقار “الأنيمي”

لم يكن الغضب الطفولي الذي فجره منشور أحد أبرز القياديين السياسيين رداً على تحرك ميداني في قرية “فداسي” مجرد زلة قلم، بل كان “فضيحة سياسية” كشفت عمق الفجوة بين الخيال النخبوي والواقع الشعبي. فعندما تتحول لغة قيادي يطرح نفسه بديلاً مدنياً إلى حوارات تشبه مسلسلات الأطفال والوعيد الصبياني (أيها الإرهابي الصغير.. ستدفع الثمن غالياً)، فنحن أمام حالة من “إفلاس الوقار” وانفصال تام عن وجدان الشعب.

الحقيقة التي أخرجت النخبة من طورها في فداسي لم تكن “البندقية”، بل كانت “الفطرة”؛ فالمجتمع الذي ادعت النخبة تمثيله من خلف الحدود، اختار الانحياز لمن يشاركه المحنة على الأرض. هذا هو “إدمان الفشل” الذي حذر منه الدكتور منصور خالد؛ نخب تعيش في أوهامها، فإذا رفضها الواقع، وصمته بـ “الذاكرة السمكية” أو “الإرهاب”.

ثانياً: وهم “إطفاء الحريق” وتصميم “دولة 56”

ينقسم الرأي اليوم بين تيار يرى أن الأولوية هي “إطفاء الحريق” (وقف الحرب) بأي ثمن، وتيار يرى أن البيت يحترق أصلاً بسبب “أخطاء في التصميم” لا يمكن تجاهلها. إن محاولة اختزال الأزمة في شخص أو مليشيا هي “استقامة انتقائية” تخفي حقيقة مريعة: أن هذه الأدوات لم تكن إلا “رصاصات” استأجرها المركز لسنوات لحماية امتيازاته، واليوم يتباكى المركز نفسه على “نتائج” أفعاله بعد أن ارتدت الرصاصة إلى نحره.

إن أي حديث عن “تحول مدني” لا يبدأ بتفكيك عقلية المركزية القاتلة، هو مجرد تخدير مؤقت. فالسودان الذي صُمم في العام 1956 ليكون دولة “نخبوية إقصائية” – وهو ما يُسميه البعض اليوم “دولة 56” في سياق السخط على فشلها التاريخي – لا يمكن ترميمه ببيانات برلين، بل بإعادة صياغة العقد الاجتماعي من جذوره ليشمل كل السودانيين.

ثالثاً: ملامح “الكتلة التاريخية” المنقذة

لقد أثبتت أحزابنا أنها “ديناصورات” منفصلة عن قيم المجتمع السوداني وتاريخه. التغيير يحتاج إلى “مجموعة قائدة” تمتلك المعايير التالية:

• التمثيل المجتمعي الحقيقي: جذور ممتدة في مسام المجتمع (المهنيين، المعلمين، رجالات الطرق الصوفية، والقيادات الأهلية الواعية).

• السيادة الأخلاقية والندية: مجموعة لا تتسول شرعيتها من “سفارة” ولا تطلب الحماية من “بندقية”، بل تدرك أن السودان يحتاج لتموضع إقليمي يقوم على الكرامة، لا على “التوسل” الذي وصل لدرجة طلب التضييق على المواطن السوداني في دول الجوار.

الخاتمة: الهوية هي المخرج

إن التغيير الجذري يبدأ من “الفكرة” والهوية. لا يمكن بناء دولة يحترمها العالم إذا ظلت نخبتها تمارس “الغباء الاستراتيجي” الذي يمنح العسكر والمليشيات قبلة الحياة في كل مرة. إن “الدواء المر” يكمن في بناء “كتلة تاريخية” تشبه فطرة أهل فداسي، وتمتلك وعي المهنيين، ووقار الصوفية، وشجاعة الحق لانتزاع السيادة المختطفة.

المقالة السابقة

سلسلة الحرب على السودان .. المقال (59) – مرحلة ما بعد الحسم… ومن يحاول عرقلتها .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *