تمهيد: حين تتحول السياسة إلى سوق صفقات
لم ينظر دونالد ترامب إلى السياسة الخارجية بوصفها امتدادًا للقيم أو الالتزامات الأخلاقية، بل تعامل معها بعقلية رجل الأعمال الذي يُدير العالم كـ محفظة صفقات. في هذا السياق، لم تعد الحروب صراعات مبدئية، ولا التحالفات ثابتة، بل أدوات تفاوض قابلة للبيع والشراء، وفق منطق الربح والخسارة.
أولًا: أوكرانيا… حرب بالوكالة أم ورقة مساومة مع موسكو؟
في الحسابات الترامبية، لم تكن أوكرانيا سوى ساحة ضغط في مواجهة روسيا. فبينما رُفعت شعارات الدفاع عن السيادة الأوكرانية، ظل الدعم الأميركي مشروطًا بسؤال جوهري: ما الذي ستقدمه أوروبا؟ وما الذي يمكن انتزاعه من موسكو؟
أوكرانيا هنا لم تكن هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لتحسين شروط التفاوض مع روسيا، سواء في ملف العقوبات أو الطاقة أو إعادة رسم النفوذ في أوروبا الشرقية.
ثانيًا: روسيا… الخصم الذي يُفضَّل التفاهم معه
رغم الخطاب الإعلامي المتشدد، لم يتعامل ترامب مع روسيا باعتبارها عدوًا أيديولوجيًا، بل قوة كبرى قابلة لعقد الصفقات.
فأوكرانيا تمثل أولوية وجودية لموسكو، بينما تمثل العقوبات والأسواق والطاقة أوراق ضغط بيد واشنطن. ومن هنا، يصبح التصعيد أداة تفاوض، ويغدو التهدئة مكافأة مؤقتة.
ثالثًا: إيران… دولة استعصت على الصفقة السريعة
على خلاف حالات أخرى، واجه ترامب في إيران دولة ذات تماسك مؤسسي وقدرة على امتصاص الصدمات. لذلك، لم يكن خيار الحرب الشاملة مطروحًا بجدية، بل جرى الاكتفاء بسياسة الضغط الأقصى: عقوبات، تهديدات، وعمليات محدودة، دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة قد تشعل المنطقة بأكملها.
إيران في معادلة ترامب ليست هدف إسقاط، بل طرف يُراد إخضاعه لشروط تفاوض أفضل.
رابعًا: الشرق الأوسط… ساحة مفتوحة للمقايضة
في الشرق الأوسط، بلغت عقلية الصفقة ذروتها:
تطبيع مقابل حماية
سلاح مقابل ولاء
صمت مقابل بقاء
تحولت القضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، إلى ملفات تفاوض تُدار بلغة العقود لا بلغة الحقوق، وبمنطق السوق لا منطق الاستقرار.
خامسًا: صفقة ترامب مع السعودية… كبح الطموحات الإماراتية
برزت المملكة العربية السعودية في سياسة ترامب بوصفها الحليف الأقوى والأكثر استقرارًا في الإقليم. فهي دولة ذات ثقل ديني، وقدرة اقتصادية، وتنتج قرابة 12 مليون برميل نفط يوميًا، ما يجعلها شريكًا لا يمكن تجاوزه في أي معادلة طاقة أو أمن إقليمي.
وفي هذا الإطار، يُقرأ التقارب الترامبي–السعودي أيضًا كآلية لضبط الطموحات الإقليمية التي وُصفت بأنها تخريبية أو توسعية في ساحات هشة مثل اليمن، الصومال، السودان، وليبيا. لم يكن الهدف معاداة الإمارات، بل إعادة توزيع الأدوار ومنع تحوّل هذه الساحات إلى بؤر فوضى تُهدد المصالح الأميركية بعيدة المدى.
هكذا، بدت الصفقة واضحة: السعودية شريك ضامن للاستقرار والنفط والأسواق، مقابل كبح المغامرات التي تُربك الإقليم وتستنزف الحلفاء.
سادسًا: من فنزويلا إلى أوكرانيا… خيط واحد يحكم المشهد
ما يجمع فنزويلا وأوكرانيا وإيران هو منهج واحد: إدارة الأزمات لا حلّها، واستثمار الصراعات لا إنهاؤها. فالدول تتحول إلى أوراق ضغط، والحروب إلى أدوات تحسين شروط، إلى أن تنضج الصفقة المناسبة.
سابعًا: شركات النفط العابرة للقارات… أقوى ما يملكه ترامب
إذا كان ترامب يمتلك سلاحًا يفوق الدبابات والعقوبات، فهو شركات النفط والطاقة العابرة للقارات. هذه الشركات لم تكن مجرد داعم اقتصادي، بل شكّلت العقل الحقيقي الذي يُدير الصفقات.
في منطق ترامب، لا تُسقَط الدول بالجيوش فقط، بل عبر:
عقود الامتياز
التحكم في الإنتاج والتصدير
إعادة رسم خرائط الطاقة
من فنزويلا إلى الخليج، كانت شركات النفط هي المستفيد الأكبر، وهي التي تُحدّد أين تُفرض العقوبات ومتى تُرفع، ومن يُعاقَب ومن يُكافَأ. لقد تحوّل النفط من مورد سيادي إلى أداة حكم غير مباشر، وأصبحت هذه الشركات هي الدولة العميقة الفعلية في عالم الصفقات.
خاتمة: عالم يُدار بالعقود لا بالمواثيق
تكشف تجربة ترامب أن النظام الدولي لم يعد يُدار بالتحالفات الثابتة، بل بصفقات متحركة، تتبدل فيها المواقف كما تتبدل بنود العقود. وفي هذا العالم، لا تكون الحروب غاية، بل وسيلة، ولا يكون السلام هدفًا، بل نتيجة جانبية حين تكتمل الصفقة.
📧 alzomzami.analysis@gmail.com

