مدخل الحلقة: أفريقيا لم تعد هامشًا لم تعد أفريقيا ساحة خلفية في الصراع الدولي، بل تحولت إلى مركز ثقل استراتيجي في معركة النفوذ العالمي. ومع تراجع أوروبا، وصعود الصين، وتمدّد روسيا، وارتباك الولايات المتحدة، تدخل القارة مرحلة إعادة تموضع تاريخية، تُدار فيها الموارد، والجغرافيا، والشعوب، بعقلية الصفقة لا الشراكة.
أولًا: أفريقيا بين انحسار أوروبا والتغوّل الروسي والصيني
النفوذ الأوروبي في أفريقيا يتآكل بسرعة، ليس فقط بسبب الإرث الاستعماري الثقيل، بل بسبب عجزه الاقتصادي والسياسي عن منافسة العروض الصينية والروسية.
في المقابل، تتقدم موسكو وبكين بخطاب جديد:
الصين بلغة الاستثمار والبنية التحتية
روسيا بلغة الأمن والعسكر والسيادة
وبين هذا وذاك، تجد دول أفريقيا نفسها أمام خيارات لم تكن متاحة قبل عقدين، في عالم لم يعد أحادي القطبية.
ثانيًا: الاستثمارات الصينية… من نفط السودان إلى معادن القارة
بدأ الحضور الصيني النفطي في أفريقيا من السودان، ثم تمدد غربًا وشرقًا وجنوبًا. لم يكن النفط وحده هو الهدف، بل سلة الموارد كاملة:
النفط، الغاز، الذهب، النحاس، الليثيوم، الكوبالت، واليورانيوم.
الصين لا تنظر إلى أفريقيا كسوق استهلاكي فقط، بل كمخزن استراتيجي طويل الأمد للمواد الأولية التي تقوم عليها الثورة الصناعية الجديدة.
ثالثًا: طريق الحرير… أربعة تريليونات مقابل استثمارات خجولة
في إطار مشروع الحزام والطريق، ضخّت الصين استثمارات تُقدَّر بنحو أربعة تريليونات دولار في:
طرق
سكك حديدية
موانئ
مناطق صناعية
شبكات طاقة
في المقابل، تبدو الاستثمارات الأمريكية في أفريقيا محدودة، انتقائية، ومشروطة سياسيًا.
الفرق هنا ليس في المال فقط، بل في العقلية:
الصين تبني لتبقى، والولايات المتحدة تفاوض لتربح سريعًا.
رابعًا: النفوذ الروسي في غرب أفريقيا… القواعد بدل القروض
روسيا اختارت طريقًا مختلفًا:
حضور عسكري
اتفاقيات أمنية
تدريب وتسليح
قواعد نفوذ سياسية
في دول غرب أفريقيا، أصبحت موسكو لاعبًا مؤثرًا في معادلة الأمن، مستفيدة من تراجع الثقة في فرنسا والغرب عمومًا. وبهذا، تحجز روسيا موقعها في أي ترتيبات مستقبلية للقارة.
خامسًا: العقلية الأمريكية… لماذا لا تبني مصانع؟
تاريخيًا، لم تنشئ الولايات المتحدة في أفريقيا مشروعات صناعية كبرى تُقارن بما فعله الاتحاد السوفيتي أو الصين.
السد العالي في مصر بناه السوفييت،
مصانع جياد في السودان لم تبنها أمريكا،
ومصانع النسيج في إثيوبيا لم تكن مشروعًا أمريكيًا استراتيجيًا.
العقلية الأمريكية قائمة على:
الاستثمار في الاستخراج
الربح السريع
ثم الانسحاب
لا على بناء اقتصاد محلي مستقل.
سادسًا: هل يغيّر رجال الأعمال الأمريكيون قواعدهم؟
السؤال المركزي اليوم:
هل تغيّر الولايات المتحدة عقلية رجال أعمالها من مجرد استخراج النفط والمواد الخام، إلى بناء سلاسل إنتاج حقيقية داخل أفريقيا؟
حتى الآن، المؤشرات ضعيفة. فالشركات الأمريكية ما زالت ترى في أفريقيا: خزان موارد… لا شريك تصنيع.
بينما ترى الصين فيها: شريك إنتاج… وسوق مستقبل.
الخاتمة: أفريقيا ليست للبيع… لكنها على طاولة المساومة
في عالم الصفقات الكبرى، تُوضع أفريقيا اليوم على طاولة المساومة الدولية.
لكن الفارق هذه المرة أن القارة لم تعد صامتة، ولم تعد بلا خيارات.
فمن يأتِ إليها: بالعقود العادلة،
والصناعة،
ونقل المعرفة،
هو من سيكسب أفريقيا…
أما من يكتفي باستخراج ثرواتها،
فسيخرج منها يومًا… بلا نفوذ ولا احترام
📧 alzomzami.analysis@gmail.com.
سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي
المقالة السابقة

