Popular Now

وجه الحقيقة | النخب السودانية والفرصة الأخيرة .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان – المقالة (42) .. بين مشروع الدولة ومشروع اللا دولة: لماذا لا يمكن مساواة السعودية بالإمارات في السودان؟ .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود ..الباحث المختص في الشأن الأفريقي

صلاح أحمد إبراهيم .. حين تتقدم الإنسانية على الشعر والسياسة والدبلوماسية .. بقلم مستشار/ هشام محمود سليمان

سلسلة مقالات الحرب على السودان – المقالة (42) .. بين مشروع الدولة ومشروع اللا دولة: لماذا لا يمكن مساواة السعودية بالإمارات في السودان؟ .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود ..الباحث المختص في الشأن الأفريقي

مقدمة: الصراع الذي يتجاوز حدود السودان
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة داخلية بين قوى متنازعة، بل تحولت إلى ساحة تصادم بين مشروعين إقليميين متناقضين:
مشروع يسعى إلى ترميم الدولة الوطنية، ومشروع يعمل على تفكيكها وإعادة تشكيلها في صورة مليشيات وكيانات هشة بلا سيادة.
ومن هنا، يصبح من الخطأ السياسي والتاريخي والإعلامي أن تُساوى المملكة العربية السعودية بدولة الإمارات في مقاربة الملف السوداني. فالتشابه في العناوين الدبلوماسية لا يعني تشابهاً في الأهداف، ولا في طبيعة المشروع.
أولاً: مشروع الدولة في السودان… الجذور والشرعية
مشروع الدولة في السودان يقوم على:
مؤسسات الدولة السودانية المعروفة تاريخياً،
الجيش الوطني بوصفه عمود السيادة،
وحدة الأرض والقرار،
والانتماء إلى الدولة لا إلى الميلشيا.
هذا المشروع، رغم ما أصابه من ضعف وتشويه، يظل هو الإطار الوحيد القادر على إنتاج سلام حقيقي واستقرار مستدام، لأنه يقوم على مفهوم الدولة لا على منطق الغنيمة.
ثانياً: مشروع اللا دولة… صناعة المليشيات وأمراء الحرب
في المقابل، يتجسد مشروع اللا دولة في دعم الكيانات المسلحة الموازية، وتحويل الصراع إلى سوق نفوذ، وإعادة تدوير أمراء الحرب بوصفهم بدائل للدولة.
وهذا المشروع لا يستهدف بناء سلطة، بل يستهدف منع قيام الدولة أصلاً.
فالدولة القوية لا تُدار عن بعد، ولا تُشترى، ولا تُطوّع. أما الكيانات الهشة، فهي قابلة للتوظيف، والابتزاز، وإعادة التشكيل وفق المصالح الخارجية.
ثالثاً: الإمارات… من دعم الدولة إلى رعاية اللا دولة
الإمارات لا تدعم مشروع الدولة في السودان، ولا في اليمن، ولا في الصومال. بل تدعم مشروع اللا دولة بوضوح كامل:
مليشيات في السودان،
قوات موازية في اليمن،
وكيانات غير معترف بها في القرن الأفريقي.
والأخطر من ذلك أن هذا الدعم لا يخدم هدفاً استراتيجياً إماراتياً مستقلاً، بل يؤدي وظيفة متقدمة في خدمة المصالح الإسرائيلية والقوى الاستعمارية، عبر:
تفكيك الجيوش الوطنية،
تعطيل نشوء دول قوية في محيط البحر الأحمر،
وتحويل الإقليم إلى رقعة نفوذ مفتوحة بلا سيادة حقيقية.
إنها سياسة لا تبني دولة، بل تُنتج فوضى قابلة للإدارة من الخارج.
رابعاً: تحركات الإمارات بين الاتحاد الأفريقي وواشنطن
تحركات أبوظبي عبر الاتحاد الأفريقي، وعبر المستشار الأمريكي مسعد بولس، تُقدَّم كجهود سلام، لكنها عملياً تصب في مصلحة طرف واحد:
قوات الدعم السريع وحلفاؤها.
وهنا يفقد الخطاب الدبلوماسي حياده، ويتحوّل من وساطة إلى إعادة تموضع سياسي، ومن سلام إلى إعادة توزيع للأدوار داخل مشروع اللا دولة.
خامساً: اليمن نموذجاً… وهروب الزبيدي دليلاً
هروب الزبيدي من اليمن إلى أبوظبي ليس تفصيلاً عابراً، بل شاهد على طبيعة المشروع نفسه.
اليمن كان مختبراً، والسودان اليوم ميدان التطبيق الأوسع.
النتيجة واحدة:
دولة تُستنزف،
مؤسسات تُفرّغ،
ومليشيات تُضخَّم.
والشعوب وحدها تدفع الثمن.
سادساً: محور أبوظبي – تل أبيب وتمدد القرن الأفريقي
زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى أرض الصومال لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فهي حلقة في محور سياسي–أمني يتمدد في القرن الأفريقي، ويعيد رسم الجغرافيا السياسية للبحر الأحمر.
وفي هذا المحور، لا مكان لدولة سودانية قوية، لأن وجود دولة قوية يعطل مشروع النفوذ، ويكسر معادلة التحكم.
سابعاً: السعودية… منطق مختلف ومشروع مختلف
في المقابل، تتحرك السعودية من منطق مغاير:
دعم استقرار الدول،
احترام المؤسسات،
رفض منطق المليشيات،
والبحث عن توازن إقليمي قائم على الدول لا على الكيانات المسلحة.
صفقات السعودية مع باكستان بقيمة أربعة مليارات دولار ليست مجرد شراء سلاح، بل إعادة تثبيت لمعادلة الردع، ورسالة واضحة بأن أمن المنطقة لا يُدار عبر المليشيات، بل عبر الدول.
العلاقة التاريخية بين الرياض وإسلام آباد ليست علاقة مصالح ظرفية، بل تحالف استراتيجي قائم على فهم مشترك لمفهوم الدولة.
ثامناً: لماذا لا يمكن المساواة بين السعودية والإمارات؟
لأن:
السعودية ترى في الدولة ضمان الاستقرار،
والإمارات ترى في تفكيك الدولة فرصة للنفوذ.
السعودية تراهن على المؤسسات،
والإمارات تراهن على أمراء الحرب.
والفرق بين المشروعين هو الفرق بين بناء وطن، وإدارة فوضى.
الخلاصة: السودان ساحة صراع مشاريع لا ساحة حرب داخلية فقط
الحرب في السودان ليست فقط بين سودانيين، بل بين مشروعين إقليميين:
مشروع يريد للسودان أن يكون دولة.
ومشروع لا يريد للسودان أن يكون دولة أصلاً.
وما لم يُفهم هذا البعد، سيظل الخطاب السياسي يدور في الحلقة الخطأ، وستظل الحرب تُفسَّر بأدوات قاصرة، بينما تُدار بأدوات دولية وإقليمية بالغة التعقيد.
خاتمة: السلام يبدأ حين ينتصر مشروع الدولة
السلام الحقيقي في السودان لن تصنعه العواصم التي تستثمر في اللا دولة، ولا القوى التي ترى في الميلشيا بديلاً عن الدولة، بل سيصنعه انتصار مشروع الدولة السودانية، بكل ما يحمله من سيادة، ومؤسسات، وكرامة وطنية.
وإلى أن يتحقق ذلك، ستظل الحرب على السودان مستمرة… بالسلاح حيناً، وبالدبلوماسية المسمومة حيناً آخر.

📧 alzomzami.analysis@gmail.com

المقالة السابقة

صلاح أحمد إبراهيم .. حين تتقدم الإنسانية على الشعر والسياسة والدبلوماسية .. بقلم مستشار/ هشام محمود سليمان

المقالة التالية

وجه الحقيقة | النخب السودانية والفرصة الأخيرة .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *