Popular Now

وجه الحقيقة | نقابة المعلمين… وذاكرة الفوضى! .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

رسالة الي حاكم ابوظبي محمد بن زايد آل نهيان .. [تحليل نموذج الازمة في أبوظبي داخل الإمارات العربية المتحدة من زاوية التغذية الراجعة الإيجابية غير المنضبطة في الأنظمة السياسية والاقتصادية ذات الطابع الأستخباراتي العدائي المستحكم منذ نشاتها].. بقلم/ د. بابكر عبدالله محمد علي .. خبير الجودة والتميز

تقرير استراتيجي رقم (8) .. الإمارات العربية ومستقبل قوات الدعم السريع في ظل التصعيد الأمريكي والإقليمي .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب – الباحث المختص في الشأن الأفريقي

على حافة أوراسيا: إيران بين نظرية ماكندر واستراتيجية ماهان .. د. إسماعيل الناير .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

عند تخوم أوراسيا، حيث يتقاطع قلب اليابسة مع حواف البحار الدافئة، تتجسد واحدة من أكثر لحظات التاريخ الدولي كثافةً وتعقيداً. فالمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم تعد مجرد صراع إقليمي على النفوذ، بل تحولت إلى اختبار عملي لنظريات الجيوبوليتيك الكلاسيكية، وإلى ساحة اشتباك متقدم في الصراع على شكل النظام الدولي القادم.
وفق أطروحة Halford Mackinder، فإن من يسيطر على “قلب العالم” – أي أوراسيا الداخلية – يملك مفتاح الهيمنة العالمية. غير أن هذا القلب لا يعمل في فراغ، بل يتفاعل مع “الهلال الحافّي” الذي يشكل أطراف اليابسة المتصلة بالبحار. هنا تتداخل رؤية ماكندر مع استراتيجية Alfred Thayer Mahan، الذي اعتبر أن السيطرة على البحار وخطوط الملاحة هي أساس القوة العالمية. وفي هذا التقاطع النظري تحديداً تقف إيران: دولة برية ذات امتدادات إقليمية، لكنها تطل على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز، وتؤثر على أمن شرق المتوسط والبحر الأحمر.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الحرب بوصفها صراعاً بين منطق القوة البحرية الذي تمثله الولايات المتحدة، ومنطق القوة البرية–الإقليمية الذي تجسده إيران. واشنطن تسعى إلى ضمان حرية الملاحة، وحماية منظومة التحالفات البحرية الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط. أما طهران، فتراهن على عمقها الجغرافي، وشبكة حلفائها، وقدرتها الصاروخية لخلق توازن ردع يمنع خنقها أو عزلها.
غير أن البعد الأعمق يتجاوز هذا الثنائي الكلاسيكي، ليصل إلى الصراع البنيوي بين واشنطن وبكين. فإيران ليست مجرد خصم للولايات المتحدة، بل هي عقدة استراتيجية في مبادرة Belt and Road Initiative التي تقودها الصين. هذه المبادرة ليست مشروعاً اقتصادياً فحسب، بل تصوراً جيواستراتيجياً لإعادة ربط أوراسيا بطرق برية وسكك حديد وأنابيب طاقة تقلل الاعتماد على الممرات البحرية التي تهيمن عليها البحرية الأمريكية.
من هنا، فإن أي إضعاف لإيران أو إخراجها من المعادلة الإقليمية يعني عملياً قطع شريان مهم من الشرايين البرية التي تسعى الصين إلى ترسيخها. كما أن استقرار إيران يوفر لبكين منفذاً آمناً نسبياً نحو الخليج وأسواق الطاقة، بعيداً عن الضغوط الغربية. لذلك تتعامل الصين بحذر شديد: فهي لا ترغب في حرب واسعة قد تربك الاقتصاد العالمي الذي تعتمد عليه، لكنها في الوقت ذاته ترى في استمرار الضغط الأمريكي على إيران محاولة غير مباشرة لتقييد تمددها الأوراسي.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الحرب تمثل اشتباكاً على “الحافة الأوراسية”؛ أي على ذلك الخط الفاصل بين القلب البري والمجال البحري. وهي أيضاً انعكاس لأزمة النظام الدولي الأحادي القطب. فمنذ نهاية الحرب الباردة، تصرفت واشنطن باعتبارها الضامن الأوحد للأمن الدولي، لكن صعود قوى كبرى وإقليمية أعاد التوازنات إلى حالة سيولة. إيران، بدعم صيني–روسي غير مباشر، تحاول تكريس نموذج مقاومة للهيمنة الأحادية، فيما تسعى واشنطن إلى إعادة تثبيت قواعد الردع التي أرستها في التسعينيات.
استراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل في هذا السياق تقوم على منع تحول إيران إلى قوة نووية مكتملة الردع، وتفكيك محيطها الإقليمي المسلح، وطمأنة الحلفاء الخليجيين عبر مظلة دفاعية متقدمة. أما إيران، فتعتمد على مبدأ “توسيع ساحة المعركة” دون الوصول إلى مواجهة شاملة، مستخدمة أدوات غير تقليدية، وضغطاً متدرجاً على الممرات البحرية.
وتبرز أهمية الخليج هنا باعتباره قلب سوق الطاقة العالمي. أي اضطراب طويل في مضيق هرمز سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، ويضغط على الاقتصادات الأوروبية والآسيوية. كما أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر يضيف طبقة أخرى من المخاطر، إذ تتأثر التجارة بين آسيا وأوروبا بشكل مباشر.
في القرن الأفريقي، تتضاعف التداعيات. فالبحر الأحمر وباب المندب يشكلان شرياناً حيوياً للتجارة العالمية. تصاعد التوتر قد يؤدي إلى عسكرة إضافية للموانئ والسواحل، ويعزز تنافس القوى الكبرى على القواعد البحرية في المنطقة. وهذا يعني أن دولاً هشة سياسياً واقتصادياً قد تجد نفسها جزءاً من لعبة أمم تتجاوز قدراتها.
أما السودان، الذي يخوض حرباً معقدة ضد مليشيا الدعم السريع، فإنه يتأثر على مستويين: الأول اقتصادي، عبر ارتفاع أسعار الطاقة والسلع وتعطل سلاسل الإمداد؛ والثاني استراتيجي، عبر تحوله إلى مساحة تنافس غير مباشر على البحر الأحمر وامتداداته. فكلما احتدمت المواجهة على الحافة الأوراسية، زادت أهمية الموانئ السودانية وموقعه الجغرافي في حسابات القوى الدولية، وهو ما يفرض على صانع القرار السوداني قراءة دقيقة للتحولات، وتحصين الجبهة الداخلية من ارتدادات صراعات الخارج.
بالنسبة لأوروبا، تبدو الخيارات محدودة بين الاصطفاف الأمني مع واشنطن، ومحاولة لعب دور الوسيط لتجنب كارثة طاقوية جديدة. أما روسيا، فترى في استمرار الضغط على الغرب فرصة لتشتيت موارده، لكنها لا ترغب في فوضى شاملة قد تخرج أسواق الطاقة عن السيطرة.
في المحصلة، لا تبدو نهاية الحرب وشيكة على شكل حسم عسكري شامل. الأرجح هو استمرار نمط “الحرب الرمادية”: ضربات محسوبة، رسائل ردع متبادلة، وتفاوض غير معلن في الخلفية. غير أن خطأً واحداً في الحسابات قد يحول الحافة الأوراسية إلى مركز انفجار عالمي.
وهكذا، تقف إيران على تخوم نظرية ماكندر واستراتيجية ماهان، بينما تتحرك الصين في الظل لحماية مشروعها الأوراسي، وتتمسك الولايات المتحدة بهيمنتها البحرية. وبين البر والبحر، تتحدد ملامح نظام دولي جديد، لم تُكتب قواعده بعد، لكنه يتشكل الآن، على وقع النار، فوق حافة أوراسيا.

المقالة السابقة

استطلاع عن اتجاهات الرأي العام حول تكوين المجلس التشريعي في السودان

المقالة التالية

مسارات .. البرلمان الانتقالي السوداني: بوابة الشرعية وبداية استعادة الدولة .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *