من وحي أبيات قصيدة الجد محمد سعيد العباسي في يوم التعليم—حيث حذّر من سمّ التحزّب ودعا إلى صناعة تِرياقه من خلال اخر أبيات نظمه المتفرد؛ فقال
فلو درى القوم بالسودان أين هم *** من الشعوب قضوا حزنا وإشفاقا..
جهل وفقر وأحزاب تعيث به ***هدت قوى الصبر إرعادا وإبراقا..
إن التحزب سم فاجعلوا أبدا*** يا قوم منكم لهذا السم ترياقا..
لا تعجزوا أن تكونوا للهدى قبسا*** فكلكم قد زكا غرسا وأعراقا.
نكتب اليوم مستهدين بذلك المعنى العميق: أن علاج علل الوطن لا يكون بالإنكار ولا بتبادل الاتهام، بل بالوعي، وبالعمل المشترك، وبصناعة الإجماع الوطني.
إنّ عنوان هذا المقال «لا يمكن دفن الظل» ليس مجازًا لغويًا فحسب؛ بل هو موقف معرفي وأخلاقي. فالظل هو واقعنا بتناقضاته، إخفاقاته، وانكساراته، كما هو أيضًا تاريخنا وخبرتنا الجمعية. ومحاولة دفنه تعني الهروب من مواجهة الأسباب الحقيقية لما نحن فيه. والأمم التي لا تواجه ظلالها، لا ترى شمسها كاملة.
لقد كشفت التحولات العالمية المتسارعة—اقتصاديًا، وتقنيًا، وجيوسياسيًا—أننا لم نلتقط سوى 20% من المشهد، بينما غاب عنا 80% من عناصر القوة والتغيير، وفق منطق باريتو. انشغلنا بالصراعات الهامشية، وتركنا جوهر البناء: الإنسان، والمعرفة، والمؤسسات، والحوكمة الرشيدة. فجاءت الحرب—بقسوتها—كدرس أخير يقول: كفى شقاقًا، آن أوان التوحّد.
إنّ الدعوة اليوم ليست رومانسية ولا شعاراتية؛ إنها دعوة عملية لتصفية الذهن، وهدوء النفس، وإسقاط فشل الماضي لا لتبريره بل لتجاوزه. نحتاج إلى شجاعة الاعتراف قبل شجاعة القرار، وإلى وحدة الغاية قبل تعدد الوسائل. فالتنمية والعمران وبناء الدولة الحديثة لا يزدهرون في بيئة الانقسام، بل في فضاء التوافق على الحد الأدنى الوطني.
لقد لخّص جون قرنق هذه الروح الجامعة في عبارته الجامعة: We are Sudanese—كلمة سحرية لا تلغي التنوع، بل تنظّمه؛ لا تصادر الاختلاف، بل تُديره؛ وتحوّل التعدد من مصدر صراع إلى مصدر ثراء. هي هوية مدنية جامعة، تُقدِّم الانتماء للوطن على الولاءات الضيقة، وتفتح الطريق أمام عقد اجتماعي جديد.
ولكي لا يبقى هذا النداء حبرًا على ورق، فإن «مواجهة الظل» تقتضي مسارات واضحة:
إعادة الاعتبار للتعليم والمعرفة بوصفهما الرافعة الأولى للتنمية.
إصلاح مؤسسي يرسّخ سيادة القانون والمساءلة والشفافية.
اقتصاد إنتاجي يستثمر في الإنسان والموارد لا في الريع والصراع.
مصالحة وطنية واعية لا تُسوّي الجرائم، بل تُنهي دورات الثأر.
خطاب عام جامع يقدّم المشترك ويخفض منسوب الاستقطاب.
إنّ السودان لا يحتاج إلى دفن ظله، بل إلى الوقوف في مواجهته حتى يقصر مع تقدّم الشمس. وهذه الشمس اسمها: وحدة الإرادة، ونظافة المقصد، والعمل الجاد. فلنجعل هذه الحرب آخر دروس الخلاف، وبداية صفحة تُكتب بمداد التنمية، ويوقّعها الجميع باسمٍ واحد: نحن سودانيون.

