أولًا: إن البناء القاعدي في جنوب أفريقيا الذي شرحته د. ناهد مشكورة وهو موضوع هذا المنشور يهمنا اكثر من أي شخص أو جهة أخرى لأن الحركة الجماهيرية الحقوقية التي أسسناها عام 2005 هي بناء قاعدي كامل الدسم وهي تجربة سودانية خالصة إضافة إلى ذلك فإن أي تجربة مماثلة تهمنا جدًا للاستفادة من إيجابياتها وتفادي سلبياتها.
ثانيًا: وفيما يلي نحاول أن نلخص أهم ما أوردته د. ناهد حتى تعم الفائدة للجميع خاصة أعضاء الحركة:
١. لم يبدأ البناء القاعدي في جنوب أفريقيا ،كشعار سياسي، ولا كمشروع نخبوي، بل بدأ كحاجة تمكن المواطن من البقاء في وجه القهر الشديد لنظام الفصل العنصري.
٢. ولذلك ، لم يكن ممكنا ، انتظار الإصلاح ، الذي يأتي من النخب، لأن للنخب أجندتهم الخاصة وذلك ما دفع المواطنين، إلى تنظيم أنفسهم من أسفل ،في الأحياء الفقيرة ، حيث نشأت لجان محلية ، تهتم بضرورات الحياة مثل المأكل، والمشرب، والمسكن والحماية ونلاحظ أنها نفس مطالب الحركة الجماهيرية الحقوقية.
٣. وفي المصانع تشكلت نقابات قوية وفي الجامعات ظهرت تنظيمات طلابية واعية وكذلك في الكنائس والمساجد في تضامن أخلاقي واجتماعي عريض.
٤. ولم تهتم تلك التنظيمات بأمر “الحكم” لأنها كانت مشغولة بهمومها اليومية.
٥. وتدريجيًا ، لم تبقَ تلك المبادرات معزولة ، حيث بدأت تتصل مع بعضها البعض، مما أدى إلى ظهور جبهات واسعة ، تجمع النقابات ولجان الأحياء والطلاب ومنظمات المجتمع المدني وصار بينها تنسيق وتبادل خبرات وحملات مقاطعة وعصيان مدني وضغط.
٦. ولم يكن البناء القاعدي بديلًا للأحزاب السياسية، بل كان قاعدة اجتماعية كما كان حال حركتنا ولقد استفادت منها الأحزاب التحررية في جنوب أفريقيا وحين يعتُقل القادة أو ينُفوا لم يكن يتوقف النشاط لأن الجذور كانت في المجتمع.
٧. وهكذا تحوّل البناء القاعدي ، من ضرورات وحماية يومية ، إلى قوة سياسية ، قادرة على فرض كلفة عالية على النظام ، دون أن تتحول إلى عنف أعمى .
٨. ولقد تمثل نجاحها ، في الآتي:
ا- كسر الخوف حيث لم يعد المواطنون يرون أنفسهم أفرادًا ضحايا، بل مجتمعًا قادر على الفعل.
ب- منع اختطاف النضال؛ حيث أن التنظيم الواسع ، جعل من الصعب على أي نخبة أن تتحدث باسم الناس.
ج- حين جاءت لحظة التفاوض ، لم تكن نتيجة ، صفقة نخبوية فقط ، بل نتيجة ضغط اجتماعي طويل ، جعل استمرار النظام مستحيلًا .
٩. ثم دخل المجتمع ، مرحلة ما بعد الفصل العنصري ، وهو يحمل خبرة البناء القاعدي ، لا مجرد نشوة انتصار ، كما حدث لجماهير الثورة في السودان ، حيث تجاهلتهم نخب الثورة ، واقتسمت السلطة مع المكون العسكري ، وفضوهم بقوة السلاح من أمام القيادة العامة.
١٠. ولكن بعد سقوط النظام، ظن كثيرون أن المهمة قد انتهت وتراجع التنظيم القاعدي أو ذاب داخل الدولة الجديدة وتحولت الأحزاب التي قادت التحرر تدريجيًا إلى نخب حاكمة.
١١. وهكذا ، ابتعدت السياسة عن هموم المواطنين مرة أخرى كما كان الوضع في عهد المستعمر.
١٢. وتعيش جنوب أفريقيا اليوم ، موجة جديدة من الحركات القاعدية ، التي تطالب بالخدمات والمحاسبة والعدالة، وتقول أن التنظيم القاعدي لا ينبغي أن يكون مرحلة مؤقتة، بل هو ضرورة دائمة حتى في الحكم الديمقراطي.
ثالثا : وتخلص د. ناهد ونحن معها إلى الآتي:
١. أن البناء القاعدي لا يُستدعى فقط، لأن الأحزاب سيئة، ولكن لأن المجتمع يحتاج حماية مستدامة وهو ليس ثورة على السياسة، بل رقابة شعبية مستدامة عليها.
٢. أن البناء القاعدي لا ينجح حين يُقدَّم كبديل للأحزاب السياسية.
٣. أن أخطر لحظة ، هي ما بعد النجاح ، لان البعض يظن حينها أن البناء القاعدي لم يعد ضروريًا، وهكذا تعود النخب بكل أجندتها الشخصية.
رابعًا: وما تحذر منه د. ناهد ،ونحن معها، هو الآتي:
١. تحوّل التنظيم القاعدي إلى نخب جديدة تتحدث باسم المواطنين أكثر مما تصغي لهم ، وتضغط من أجل مطالبهم.
٢. الاكتفاء بالعمل الخدمي ونسيان البعد السياسي، فيتحول الجهد إلى إسعاف دائم للأزمة لا علاج لها، وهذا ما لا نتفق معه، و نرى أن تكون وحدات البناء القاعدي رقابة جماهيرية مستدامة على الحكم ولو جاء بانتخابات حرة ونزيهة.
٣. استخدام البناء القاعدي لتأجيل السياسة بدل إعادة بنائها ولا نعتقد أنه يعيد بناء السياسة، بل يضغط عليها لإصلاحها.
٤. ذوبانه الكامل داخل الدولة ونضيف أو اختراقه من الأحزاب السياسية.
خامسًا: ونوافق د. ناهد على أن الحماية الوحيدة من تلك المخاطر هي وضوح الرؤية والعلاقة مع الأحزاب.
سادسًا: وترى د.ناهد أن السودان لا يحتاج أن ينسخ التجربة، بل أن يفهم منطقها ويحدد كيف نحمي المجتمع اليوم من اختطاف السياسة لحراكه القاعدي، من خلال
بناء تنظيمً قاعدي يخدم الناس ويصلح الممارسة السياسية، لأنه حين يغيب المجتمع المنظم قاعديًا تعود الدولة لتشبه من صادروها أول مرة.
سابعًا: وتعمل الحركة الجماهيرية الحقوقية منذ تأسيسها عام 2005 على استصحاب كل الإيجابيات وتجاوز كل السلبيات المذكورة أعلاه.

