● “في الزمن الذي تتكلم فيه الجيوش، قرر السودان أن يتكلم بالقانون، لا ليستجدي عدالة غائبة، بل ليصنع ميزانًا جديدًا يُسقط به الأقنعة.”
أولًا: بين القانون الدولي و تكتيكات التواطؤ
حين رفع السودان دعواه ضد دولة الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، لم يكن يسعى فقط إلى إدانة قانونية، بل إلى تحريك ضمير النظام العالمي وتسجيل موقف استراتيجي على مسرح السياسة الدولية. فالمحكمة وإن ردّت الدعوى على أساس “الاختصاص”، إلا أن الفعل القانوني في ذاته قد حقق أربعة أهداف دفعة واحدة:
١. إعادة تعريف الميدان: السودان انتقل من كونه ساحة للصراع الدموي إلى كونه مركزًا لمرافعة حضارية عن الحق و العدالة.
٢. فضح بنية الدعم الخارجي للمليشيات: حيث سلط الضوء على أن حربه ليست أهلية، بل دولية بالوكالة.
٣. تأصيل مبدأ المحاسبة الدولية، و لو عبر الباب الضيق للإجراءات.
٤. تحويل موقعه من دولة في أزمة إلى دولة فاعلة تسائل النظام الدولي ذاته.
ثانيًا: البعد القانوني – عندما يتكلم نص المادة (٩) بصوت الشعب:
تنص المادة ٩ من اتفاقية الإبادة الجماعية ١٩٤٨م على أن:
● “يحق لأي طرف في الاتفاقية أن يرفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك المسؤولية عن الإبادة الجماعية أو التواطؤ فيها.”
هذه المادة، و إن بدت تقنية، فإنها تمنح السودان سلاحًا قويًا:
● القدرة على تسمية الأشياء بمسمياتها، والحديث بلغة القانون عن:
● التواطؤ غير المباشر عبر التسليح و التمويل.
● الفشل في منع الإبادة، وهو التزام إيجابي على الدول لا يُغتفر التغاضي عنه.
لكن المحكمة، وإن اعتبرت أن الاختصاص غير قائم لغياب “النزاع القائم سابقًا”، فإنها لم تنفِ صحة الوقائع، ولا مسؤولية الطرف الآخر، بل فقط تركت الباب مواربًا لدعاوى قادمة أكثر تدقيقًا أو ذات اختصاص مختلف (مثل المحكمة الجنائية الدولية أو لجان التحقيق الخاصة).
ثالثًا: الجسر و المورد – حين تتحول العدالة إلى منصة استراتيجية
إستراتيجية “الجسر و المورد” لا ترى العدالة هدفًا قانونيًا فحسب، بل موردًا سياديًا، وجسرًا ناعمًا للتموضع الدولي، وبناء سردية وطنية جديدة.
دعوى السودان تدخل في صميم هذه الاستراتيجية من عدة زوايا:
● المورد: يتمثل هنا في الحق القانوني والوقائع الموثقة التي تكشف عن الإبادة، وهذا حق سيادي غير قابل للمساومة. تحويل هذا المورد إلى أوراق ضغط دبلوماسية يعزز موقف السودان في كل من مجلس الأمن، الاتحاد الإفريقي، والجامعة العربية.
● الجسر: الدعوى فتحت للسودان نافذة جديدة نحو التحالف مع الدول المتضررة من التدخلات الخارجية في شؤونها السيادية. فهناك عدد من الدول الإفريقية والآسيوية تجد في هذا المسار القضائي مخرجًا أخلاقيًا للتحرر من شبح الحروب بالوكالة. كما أن السودان بات منصة لخطاب جديد: “لا سيادة دون عدالة، و لا أمن دون محاسبة”.
رابعًا: قراءة استراتيجية لقرار المحكمة – فشل شكلي أم نصر معنوي؟
● البعض قد يقرأ موقف المحكمة الدولية كنكسة. لكن من زاوية استراتيجية أعمق، يمكن القول:
> السودان استدرج خصمه إلى ميدان القانون، حيث لم يعد بإمكان الإمارات التملص من التهمة سياسيًا دون رد قانوني.
● المحكمة لم تسقط الدعوى موضوعًا، بل شكلاً، مما يفتح الباب لملفات إضافية أكثر إحكامًا.
> الرأي العام الدولي بات يعرف القصة من زاوية الإبادة، لا من زاوية “نزاع داخلي”.
وبالتالي، فإن خطوة السودان هي حركة أولى في شطرنج العدالة الدولية، لا نهايتها.
خامسًا: التوصيات الاستراتيجية للسودان – من التكتيك إلى المبادرة
١. تدشين منصة قانونية إعلامية موحدة، تتولى صياغة السردية القانونية الدولية، وتوثيق الجرائم الميدانية وفق أعلى معايير الإثبات القضائي.
٢. الانتقال إلى المحكمة الجنائية الدولية عبر شكاوى فردية ضد قادة الدعم السريع، مع إثبات الدعم الإماراتي كأداة في سياق “مسؤولية التواطؤ”.
٣. تحريك دبلوماسية الجسر الإنساني، عبر تسويق المأساة السودانية كبوابة لبناء نظام دولي أكثر إنصافًا، بما يكسب السودان حلفاء جدد من شعوب وحكومات.
٤. استخدام الحراك القانوني ضمن استراتيجية إعادة الإعمار والسيادة: بمعنى أن الحديث عن العدالة يجب أن يُربط بخطط السودان لإعادة بناء دولته، واسترداد مكانته الإقليمية كدولة ذات مشروع ونهج وسيادة مستقلة.
أصل القضية،،،
لقد صرخ السودان في وجه العاصفة، لا من منطلق الضعف، بل لأنه يملك مشروعًا للحياة وسط الموت، و مشروعًا للعدل وسط الفوضى.
و مهما حاول النظام العالمي أن يصمّ آذانه، فإن صوت الضحية حين يعلو في قاعة العدل، يهزم السلاح، ويفضح الخداع، ويفتح طريقًا جديدًا.
“نحن لا نحاكم الدول.. نحن نُسائل التاريخ، و نرسم معالم جسر جديد لا تسرقه الإمبراطوريات.”
