ورد إلي سؤالٌ صريح من القارئ الكريم /حسن قسم الله، لم يكن سؤالاً عابرًا في هامش نقاش،بل كان سؤالاً يطرق جدار التاريخ نفسه:
> هل ما نعيشه اليوم هو حصاد ما زرعه الاستعمار الإنجليزي حين أنشأ الإدارة الأهلية لخدمته؟ ولماذا لم تُدرك الدولة منذ الاستقلال هذا الكمين؟
ذلك السؤال لم يكن عن الماضي فقط.
بل عن جذور الحاضر.
وعن مسؤوليتنا نحن، لا مسؤولية من رحلوا.
وهنا تبدأ #أصل_القضية.
١) ما الذي فعله الاستعمار فعلاً؟
عندما رسّخ الحكم الثنائي سلطته بعد ١٨٩٨م، لم يأتِ ببنية اجتماعية من خارجه.
لم يخترع القبيلة، ولم يبتدع الزعامة التقليدية.
ما فعله ببساطة:
أنه حوّل الزعامة الاجتماعية إلى وظيفة إدارية.
ضمن سياسة “الحكم غير المباشر”، التي ارتبطت إداريًا بأسماء مثل “فريدريك لوقارد”، جرى الاعتراف بالنُظّار والعُمد والمشايخ، وربطهم بالمركز عبر القانون، مقابل أداء مهام محددة:
●تحصيل الضرائب .
●حفظ الأمن المحلي.
●تقليل تكلفة الإدارة على الدولة الاستعمارية.
> الاستعمار لم يُنشئ الإدارة الأهلية من فراغ.لكنه قننها، وورّثها طابعًا رسميًا، وأدخلها في معادلة السلطة.
وهنا حدث التحول البنيوي:
من قيادة اجتماعية تستمد شرعيتها من العرف،
إلى حلقة ضمن جهاز الدولة.
٢) أين الخلل بعد الاستقلال؟
عند استقلال السودان عام ١٩٥٦م، كان أمام النخبة الوطنية خياران واضحان:
●إما تفكيك النموذج الاستعماري وبناء إدارة محلية حديثة قائمة على المواطنة والانتخاب.
●أو إعادة تعريف الإدارة الأهلية ضمن عقد اجتماعي جديد يفصل بين الزعامة الاجتماعية والسلطة التنفيذية.
لكن ما جرى هو شيء ثالث:
استمرار النموذج مع تعديلات شكلية.
■في عهد المشير / جعفر نميري إبان ثورة مايو ، أُلغيت الإدارة الأهلية رسميًا عام ١٩٧١م، لكن الإلغاء لم يكن مؤسسيًا بقدر ما كان سياسيًا.
■ثم عادت بأشكال مختلفة، لتصبح في عهد المشير / عمر حسن البشير، إبان ثورة الإنقاذ الوطني، جزءًا من معادلة الضبط والتعبئة.
لم تُحسم المسألة نظريًا.
ولم يُعاد تعريف دورها استراتيجيًا.
فتحوّلت من إرث اجتماعي يمكن تطويره،إلى أداة سلطة قابلة لإعادة الاستخدام.
٣) لماذا لم نرَ “الكمين”؟
هنا نعود إلى سؤال : ” حسن قسم الله”:
لماذا لم تنتبه الدولة الوطنية إلى هذا الفخ البنيوي؟
الإجابة ليست مؤامرة بقدر ما هي نمط إدارة.
أولاً: ضعف الدولة الحديثة
الدولة بعد الاستقلال كانت هشة الموارد، محدودة الانتشار الإداري.
وكان من الأسهل سياسيًا وماليًا أن تعتمد على بنية قائمة بدل أن تبني جهازًا إداريًا متغلغلًا في الأطراف.
ثانياً: الخوف من التفكك
في مجتمع متنوع قبليًا، خافت الحكومات من أن يؤدي تفكيك الإدارة الأهلية إلى صراع أهلي.
فأُجّل الإصلاح… حتى أصبح التأجيل سياسة.
ثالثاً: الإغراء السياسي
مع الوقت، أصبحت الإدارة الأهلية خزانًا للشرعية الجاهزة:
في الانتخابات، في الحشد، في النزاعات.
وهنا خرجت من دورها الاجتماعي، ودخلت في لعبة السلطة.
المشكلة إذن لم تكن فقط فيما زرعه الاستعمار،
بل في عجزنا عن إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
٤) الأثر الأعمق: انقسام الانتماء
حين تبقى الزعامة الأهلية جزءًا من معادلة الحكم دون فصل واضح للأدوار، يتشكل انتماء مزدوج:
●انتماء قبلي يدير الحياة اليومية.
●وانتماء سياسي يتصل بالمركز عبر الوساطة.
لكن يضعف الانتماء الوطني المباشر القائم على المواطنة.
وهنا يتكرّس ما نعيشه اليوم من فجوات:
●الدولة حاضرة أمنيًا،
●لكنها ليست متجذرة إداريًا في وعي الناس.
الاستعمار استثمر في الواقع القائم.
أما نحن، فاستثمرنا في تأجيل الإصلاح.
٥) تسمية الحالة
ليست “إدارة أهلية” فقط.
وليست “مؤامرة استعمارية” خالصة.
اسمها الأدق:
> استدامة النمط منخفض الكلفة.
دولة تبحث عن أقل تكلفة سياسية وإدارية،فتؤجل الأسئلة الكبرى، وتُراكم التناقضات.
٦) في رؤية الجسر والمورد
دعونا لا ننظر إلى البنى التقليدية كعقبة، بل كموارد كامنة.
الإدارة الأهلية يمكن أن تكون:
●ذراعًا للمصالحة المجتمعية.
●شريكًا في التنمية المحلية.
●قناة لامتصاص النزاعات.
لكن ذلك مشروط بفصل واضح بين:
●الزعامة الاجتماعية،
●والسلطة التنفيذية.
> الدولة جسر. والمجتمع مورد.
إذا اختلطت الأعمدة بالتيار،
تصدّع الجسر.
وإذا وُضعت الأعمدة في مكانها الصحيح، صار التيار قوة دفع لا تهديد.
٧) الإدارة الأهلية في لحظة حرب الكرامة
منذ العام ٢٠١٨م والسودان يعيش موجة اضطراب عميقة في تعريف الشرعية والانتماء.
ثم جاءت حرب أبريل ٢٠٢٣م لتضع الدولة أمام امتحان وجودي.
فشلت سرديات كثيرة في توصيف الحرب.
وحين لم تنجح محاولات صرفها عن حقيقتها :
> كغزو خارجي على الدولة السودانية،
بدأت هذه الأيام محاولات أخطر: وهو تصويرها كصراع قبلي.
> وهنا تصبح أحداث – مستريحة – قابلة للاستثمار كسردية بديلة.
> الخطر ليس في الحدث ذاته، بل في إعادة تفسيره.
في هذه اللحظة، يتقدم دور الإدارة الأهلية بوصفه خط الدفاع الاجتماعي الأول.
لأن المعركة إن انتقلت من الميدان إلى النسيج الاجتماعي،
فإن النصر العسكري وحده لا يكفي.
لقد لعبت الإدارة الأهلية خلال الحرب دورًا مهمًا في:
●منع الاحتكاكات،
●احتواء خطاب الثأر،
●تأمين أسر النازحين،
●فتح مسارات تواصل حين تعطلت مؤسسات الدولة.
لكن هذا الدور يحتاج إلى تثبيت مؤسسي ضمن جدول أعمال هيئة إعادة الإعمار وتشجيع العودة، ينبغي:
●إدماج القيادات الأهلية في آليات العودة الطوعية.
●دعم مؤتمرات الصلح الأهلي بصورة منظمة وشفافة.
●تحديد إطار قانوني يفصلها عن التوظيف الحزبي.
●تأهيلها في مجالات الوساطة وبناء السلام المحلي.
> بهذا نحفظ إرثها التاريخي،ونمنع استدراجها إلى مربعات الاستقطاب.
#أصل_القضية،،،
لم يكن الاستعمار عبقريًا بقدر ما كان عمليًا.
استثمر في القائم وقلّل التكلفة.
لكن بعد الاستقلال، كان علينا أن نسأل:
هل نبني دولة المواطنة؟
أم نُبقي الدولة على وساطة القبيلة؟
السؤال لم يُحسم.
والنتيجة أمامنا.
واليوم، في ظل حرب تستهدف وحدة السودان،
تصبح الإدارة الأهلية أمام اختبار تاريخي:
●إما أن تكون رصيدًا للوحدة،
●أو تُستدرج إلى سردية التفتيت.
> الدولة لا تُبنى ضد مجتمعها.ولا تُحمى بسرديات الانقسام.
المشكلة لم تكن في ما ورثناه…
بل في ما لم نُعد تعريفه.
وهذا…
هو #أصل_القضية.


