> « الشرطة السودانية- أمنٌ بالوعي… وطنٌ بالثقة»
في خواتيم العام ٢٠٢٥م، احتفلت الشرطة السودانية بعيدها الحادي والسبعين، لا بوصفه رقمًا في سجل الخدمة، بل كمحطة تاريخية تستدعي مراجعة أعمق للسؤال الجوهري:
> ما موقع الشرطة في معركة الوعي الوطني؟
ليس باعتبارها قوة ضبطٍ وحزم فحسب، بل بوصفها الذراع التنفيذي الأقرب للمدني منه للعسكري، اي هي الجسر الأكثر تماسًا مع المواطن، والمرآة اليومية التي يرى فيها فكرة الدولة:
> هل هي حامية أم متغوّلة، قريبة أم بعيدة، مفهومة أم غامضة؟
هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا ولا تمرينًا إنشائيًا.
إنه سؤال سودان ما بعد ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، وسؤال الخروج من حالة الاستلاب الداخلي للوعي السوداني، حين اختلطت مفاهيم الحرية بالفوضى، والسلمية بالتخريب، والنقد بالتحريض، حتى صارت مقار الشرطة نفسها هدفًا مشروعًا في خطابٍ ادّعى المدنية وهو يهدم ركائزها من الأساس.
فماذا يمكن أن نكتب في #أصل_القضية حول هذا الخصوص
أولًا: الشرطة قبل التمرد… حائط الصد الذي لم يُقرأ
قبل تمرد قوات الدعم السريع، لم تكن الشرطة السودانية جهازًا هامشيًا في المشهد، بل كانت الخط الأول في مواجهة التفلت الذي لبس ثوب السلمية.
لكن المعركة لم تكن أمنية خالصة، بل كانت معركة سردية بامتياز:
●استهداف مباشر لمقار الشرطة.
●دعوات صريحة لاقتحامها واستهداف منتسبيها.
●شيطنتها في المخيل العام للمواطن بوصفها “خصمًا للمدنية”.
وهنا، فشلنا – كمجتمع ونخب – في قراءة المعنى العميق لما كان يحدث.
فالشرطة لم تكن ضد التغيير، بل كانت ضد تفريغ التغيير من معناه وتحويله إلى فوضى.
> «حين تُكسر هيبة القانون باسم الحرية، تُسلِّم الحرية نفسها أولًا للخراب».
ثانيًا: الشرطة كقوة مدنية… لا كظلٍ للعسكرية
وفق رؤية الجسر والمورد، لا تُقاس قوة الدولة بصلابة السلاح وحده، بل بقدرتها على تنظيم الحياة اليومية للمواطن.
وهنا تتموضع الشرطة في القلب من المشروع الوطني:
●ليست جيشًا في الشارع،
●ولا إدارة عقابية متنقلة،
●بل مؤسسة مدنية ذات وظيفة أمنية.
في سودان ما بعد الحرب، لم يعد كافيًا أن تُعرّف الشرطة نفسها بوصفها جهة “تفرض النظام”، بل بوصفها جهة تبني الحس الأمني الوطني.
> والفرق بين المفهومين هو الفرق بين دولة تُخيف مواطنيها، ودولة تُشركهم في حمايتها.
ثالثًا: من الأمن إلى الوعي… التحول الاستراتيجي المطلوب
> المعركة القادمة ليست معركة شوارع، بل معركة إدراك.
والشرطة – بحكم قربها اليومي من المواطن – هي الأداة الأقدر على إدارة هذا التحول إذا انتقلت من منطق الاستجابة إلى منطق الوقاية الواعية، وذلك عبر:
١) شرطة التوعية لا شرطة الاستجابة فقط
●كيف؟ عبر ندوات ومحاضرات مجتمعية ، مسلّحة بالخطاب قبل السلاح، تعمل ببرامج توعوية تشرح القانون بلغة الناس، وتربط الأمن بحياتهم اليومية لا بالعقوبة.
●متى؟ في أي وقت ، لكن ليس أثناء الأزمة فقط – وهذا مربط الفرس- ، بغرض تثبيت نقطة أن تصبح الوقاية وظيفة دائمة لا ردّة فعل طارئة.
●عبر من؟ منسوبي الشرطة ، وبالشراكة مع مراكز الفكر عبر مخاطبة لجان الأحياء، المدارس، والإدارات الأهلية، لضمان أن تصل الرسالة من داخل المجتمع لا من فوقه.
٢) الأمن كقيمة وطنية مشتركة
الأمن ليس مهمة الشرطة وحدها، بل عقد اجتماعي:
●المواطن يحترم القانون،
●الشرطة تحترم المواطن،
●والدولة تضمن العدالة.
> «الأمن الذي لا يفهمه المواطن، سينقلب عليه عند أول اختبار».
٣) تفكيك سردية العداء بين الشرطة والمجتمع
لا بد من مواجهة الإرث السردي الذي صوّر الشرطة كخصم للمدنية، عبر:
الشفافية،
الاعتراف بالأخطاء حين تقع،
وإبراز النماذج المهنية داخل الجهاز.
رابعًا: واجبات المواطنة وحقوقها… من يشرحها؟
واحدة من أكبر فجوات الوعي في السودان هي غياب التربية القانونية اليومية.
وهنا يمكن للشرطة أن تقود – لا أن تُدرّس – مفهومًا عمليًا يجيب على أسئلة المواطن البسيطة والعميقة في آن:
●ما لك كمواطن؟
●وما عليك؟
●متى يكون الاعتراض حقًا مشروعًا؟
●ومتى يتحول إلى تهديد للمجتمع والدولة؟
ليس عبر منشورات رسمية جافة، بل عبر تواصل إنساني مباشر يعيد بناء الثقة.
خامسًا: من “عين ساهرة ويد أمينة” إلى هوية وعي جديدة
في عيدها الحادي والسبعين، تبدو الشرطة السودانية أمام لحظة رمزية فارقة.
فكما نجحت القوات المسلحة في ترسيخ شعار :
> «جيش واحد… شعب واحد»
بوصفه عقدًا وطنيًا لا مجرد عبارة، فإن الشرطة السودانية مطالبة اليوم بتجاوز شعارها التقليدي:
> «عين ساهرة ويد أمينة»،
لا بنقض معناه، بل بتوسيعه وتحديثه.
● فالعين الساهرة اليوم لا تكتفي بالمراقبة، بل تفهم وتشرح وتستبق الخطر بالوعي.
● واليد الأمينة لا تكتفي بالضبط، بل تبني الثقة وتحفظ كرامة المواطن وهو يشعر بالأمان لا بالخوف.
ومن هنا، نطرح عبر رؤية الجسر والمورد شعارًا يعكس روح المرحلة وهويتها الجديدة:
> «أمنٌ بالوعي… وطنٌ بالثقة»
شعار لا يصف وظيفة، بل يؤسس لعلاقة جديدة بين الشرطة والمجتمع، علاقة تقوم على الشراكة في حماية الدولة، لا إدارتها من أعلى.
سادسًا: الرسالة إلى منسوبي الشرطة… من الداخل يبدأ الجسر
لا يمكن أن نطلب من الشرطة رفع وعي المجتمع، دون تحصين وعيها الداخلي.
■الرسالة الاستراتيجية لمنسوبي الشرطة واضحة:
●أنتم لستم أداة قمع،
●أنتم واجهة الدولة المدنية،
وسلوككم اليومي هو أول درس وطني يتلقاه المواطن.
■إن الاستثمار في:
●التدريب النفسي،
●مهارات التواصل،
●وفهم التحولات الاجتماعية بعد الحرب،
ليس رفاهًا إداريًا، بل استثمار في أمن الدولة طويل المدى.
#أصل_القضية،،،الشرطة السودانية، وهي تدخل عامها الثاني والسبعين، تقف عند مفترق تاريخي حاسم:
إما أن تُختزل في صورة تقليدية،
أو أن تتحول إلى رافعة وعي وركيزة استقرار في سودان ما بعد الحرب.
وفق رؤية الجسر والمورد:
لا دولة بلا جيش يحميها،
ولا دولة بلا شرطة تُقنع مواطنيها بها.
وحين تلتقي المدنية الواعية مع الأمن المسؤول،
يبدأ بناء الوطن… من الشارع، لا من المنصات.
# أصل_القضية ليس: كيف تضبط الشرطة المجتمع؟
بل: كيف تُعيد للمجتمع اكتشاف معنى الدولة؟

