المعضلة ليست في أن يعلو صوت الفرد، ولا في أن تطالب الجماعة بحقها،
بل في اللحظة التي يُستلب فيها الوعي فتُستخدم الفردية أداة تفكيك لا وسيلة تحرّر،
وتتحوّل الجماعة من حاضنة معنى إلى وقود تحشيد.
و من هنا، بالضبط، تبدأ المأساة السودانية الحديثة.
أولًا: الاستلاب الداخلي… حين يُختطف الفرد من الداخل
في سنة ٢٠١٨م، لم يُقمع الوعي السوداني فقط، بل أُعيدت هندسته.
ظهر نوع خطير من الاستلاب: ليس استلابًا بالقوة، بل استلاب بالمصطلح.
تُسرق الأفكار قبل أن تنضج
تُختطف المفاهيم قبل أن تُفهم
يُرفع الشعار قبل أن يُبنى الأثر
فصار المشهد كالتالي:
●فردٌ يبحث عن الاعتراف،
●نخبٌ تبحث عن الظهور،
●جماهير تُستدعى للتحشيد،
●ومصلحة عامة… بلا حارس.
هنا لم تعد الفردية مشروع وعي،
بل عملة سياسية وإعلامية،
تُستثمر لا لبناء الدولة
بل لتكريس قاعدة قديمة بلبوس جديد:
> فرّق تسد.
ثانيًا: سرقة المفاهيم… من المعنى إلى الضجيج
في هذا المناخ،
لم تُسرق الثورات فقط،
بل سُرقت اللغة نفسها.
الحرية صارت لافتة
العدالة تحوّلت هتافًا
المدنية استُهلكت دون مضمون
الدولة اختُزلت في خصم
كما حذّر ديوي:
> حين تنفصل الأفكار عن سياقها الاجتماعي تتحوّل من أدوات بناء إلى أدوات تشويش.
وهكذا:
●ضاعت أحلام الفرد بين المنصات
●ذابت قضاياه في صراعات النخب
●واستُخدم صوته لا لتحقيق أثر، بل لرفع رصيد هذا أو ذاك
فالفرد لم يُمكَّن، بل اُستُخدم.
ثالثًا: ديوي و بن خلدون… حين ينهار الرابط الاجتماعي
> جون ديوي يرى أن الفرد لا يكتمل إلا داخل مجتمع منظم،
> وابن خلدون قالها قبل قرون بوضوح أشد:الإنسان مدنيٌّ بالطبع، وإذا فسد العمران فسد الإنسان.
في السودان، لم تفسد الطبيعة البشرية،
بل فُكّك العمران السياسي والاجتماعي.
العصبية الوطنية انهارت
وحلّت محلها عصبيات مؤقتة
لا تُنتج دولة
بل تُنتج صراعًا دائمًا
وهنا تلتقي رؤية ديوي مع ابن خلدون:
> حين تُفكّك الجماعة،لا يتحرر الفرد…بل يُترك عاريًا أمام الفوضى.
رابعًا: الماوردي… الدولة حين تفقد أخلاقها
أما الماوردي، فقد قدّم تشخيصًا أخطر وأدق:
> السلطة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بالأخلاق، وبالعدل وبحفظ المصالح.
في السودان بعد ٢٠١٨م:
●لا سلطة أخلاقية جامعة
●ولا عقد واضح بين الحاكم والمحكوم
●ولا مؤسسات تحمي المعنى
فنتج فراغ: ملأته الأصوات العالية،
والرموز السريعة، والمصطلحات المستوردة بلا جذور.
وهنا تحوّلت الفردية – مرة أخرى –
من حق طبيعي
إلى سلاح تفتيت.
خامسًا: التشويش بوصفه سياسة غير معلنة
ما حدث ليس فوضى عفوية فقط،
بل تشويش مُنتج.
●تشويش يمنع الاتفاق
●تشويش يستهلك الوعي
●تشويش يُبقي المجتمع في حالة تعب دائم
في هذا المناخ:
●لا مشروع يكتمل
●لا فكرة تنضج
●لا فرد يحقق ذاته
●ولا جماعة تبني دولة
وهكذا ضاع الفرد: لا هو تحرر، ولا الجماعة تماسكت، ولا المصلحة العامة وُجد من يدافع عنها.
سادسًا: الحل… من التفكيك إلى الجسر
وفق رؤية الجسر والمورد، الحل لا يكون في:
●قمع الفرد باسم الجماعة
●ولا تفكيك الجماعة باسم الحرية
●بل في إعادة هندسة العلاقة:
١) تحرير الفرد من الاستغلال لا من المجتمع
الفرد يجب أن يكون:
صاحب أثر
لا مجرد صوت
شريكًا لا أداة تحشيد
٢) إعادة بناء الجماعة كحاضنة معنى
الجماعة ليست قطيعًا، بل:
إطار تضامن
مجال إنتاج أفكار
منصة لصناعة الدولة
٣) الدولة كجسر لا كغنيمة
الدولة يجب أن:
تحمي المفهوم
تنظّم الخلاف
وتحوّل التنوع إلى مورد
خاتمة: أصل القضية… من يملك المعنى؟
#أصل القضية في السودان اليوم
ليس من يحكم،
ولا من يعارض،
ولا من يعلو صوته.
#أصل القضية هو: من يملك المعنى؟ ومن يحمي الوعي من السرقة؟ ومن يعيد للفرد حلمه دون أن يُختطف؟ وللجماعة دورها دون أن تُستغل؟
حين ننجح في ذلك، تتوقف الفردية عن أن تكون ضحية، وتتوقف الجماعة عن أن تكون أداة، وتبدأ الدولة – أخيرًا –في أن تكون جسرًا للنهضة وموردًا للحياة.


