> «ليست كل يدٍ ممدودة بريئة، ولا كل خطابٍ إنساني منزوع السياسة».
> هذا التقدير لا يقدّم اتهامًا، بل يقرأ أنماط سلوك.
أولًا: لماذا الملف الإنساني الآن؟
حين تختار دولة ما المدخل الإنساني في لحظة صراع مفتوح،
فهذا لا يعني بالضرورة تحوّلًا أخلاقيًا مفاجئًا، بل غالبًا تحوّلًا تكتيكيًا.
الخبر – في عمقه لا في عنوانه – لا يتحدث عن “إغاثة” بقدر ما يتحدث عن:
إعادة تموضع سياسي ناعم
إعادة صياغة صورة دولية متآكلة
فتح نوافذ نفاذ بديلة بعد انسداد القنوات المباشرة
الإمارات، بعد أن أصبحت طرفًا مُتهمًا لا وسيطًا مقبولًا في الملف السوداني،
لم تعد قادرة على العمل من مركز الأزمة، فانتقلت إلى ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بـ:
الالتفاف عبر الأطراف بدل المواجهة في القلب
ثانيًا: ما هو “مشروع النوافذ” فعليًا؟
ما نراه ليس مبادرة إنسانية معزولة،
بل مشروع نوافذ إقليمية يُدار بثلاثة مستويات:
واجهة إنسانية
(اتفاقيات، ممرات، دعم لوجستي، خطاب إغاثي)
قنوات إقليمية بديلة
بدل الخرطوم → الجوار
بدل الدولة → الهشاشة
تحييد الاتهام دون الاعتراف بالمسؤولية
لا إنكار كامل… ولا اعتراف
بل إعادة تعريف الدور: من فاعل إلى “مُسعِف”
ثالثًا: خريطة الطوق… السودان من الخارج لا الداخل
القراءة الأدق شد الأطراف وإشغال الداخل السوداني :
شرقًا: إثيوبيا
توظيف ملف الحدود، اللاجئين، والمياه
لإبقاء الشرق مفتوحًا للضغط لا للاستقرار
جنوبًا: جنوب السودان
هشاشة الدولة + اقتصاد الحرب
نافذة لإدارة الصراع بالوكالة
غربًا: إفريقيا الوسطى – تشاد – ليبيا
حزام فوضى مُدار
يُستخدم لضبط الإيقاع الأمني لا لحله
أما الداخل فيظهر من خلال التفلتات التي بدأت تظهر هذه الأيام غرب أمدرمان وفي بحري وشرق النيل.
بهذا الشكل:
لا يتم “شد أطراف السودان” عسكريًا،
بل إنسانيًا – لوجستيًا – سياسيًا
وهنا مكمن الخطورة.
رابعًا: كيف يتم الالتفاف على الجرائم عبر الإنسانية؟
ليس عبر النفي، بل عبر:
●إغراق المشهد بالمبادرات
●تشويش سؤال المسؤولية بسؤال الاحتياج
●نقل النقاش من: من أشعل النار؟
إلى: من يطفئها الآن؟
●في القانون الدولي:
المساعد لا يُحاسَب كالجاني
حتى لو كان بالأمس هو من فتح الباب.
وهذا هو الرهان.
خامسًا: المخاطر على السودان إن لم يُنتبه
●تحويل الأزمة من سياسية إلى إنسانية فقط
(نزع بعدها الجنائي)
●إضعاف مركز الدولة السودانية
لصالح شبكات إغاثة عابرة للحدود
●تكريس السودان كساحة لا كدولة
تُدار أزمته من الخارج باسم “الضرورة”
سادسًا: سياسات التعامل وفق رؤية الجسر والمورد
وهنا نغادر التشخيص إلى الاقتراح:
● لا رفض إنساني… بلا إطار سيادي
السودان لا يرفض الإغاثة،
لكن:
يربطها بمرجعية الدولة
يرفض القنوات الموازية
يُعيد تعريف “العمل الإنساني” كأداة دعم لا بديل سيادي
● تحويل الملف الإنساني إلى ورقة تفاوض
لا تُدار المساعدات كـ”منة”،
بل كـ:
التزام قانوني
مشروط بالشفافية
ومربوط بالمساءلة الدولية
●تفكيك الطوق عبر الجسر
بدل أن يُطوَّق السودان بجيرانه،
يبني السودان جسر مصالح متوازن معهم:
تنسيق حدودي
اتفاقيات إنسانية مشتركة
إدارة لا مركزية للأزمات لكن تحت سيادة الخرطوم
●نقل المعركة من الصورة إلى الوثيقة
الصورة تُنسى،
لكن:
التقارير
التوثيق
الملفات القانونية
هي ما يُغلق نوافذ الالتفاف لاحقًا.
#أصل القضية
الملف الإنساني ليس بريئًا بطبيعته،
ولا مُدانًا بذاته.
هو أداة إما أن تُستخدم لإنقاذ الدولة، أو لتجاوزها.
والفارق بين الحالتين ليس في نوايا الآخرين،
بل في قدرتنا نحن على إدارة التفاصيل.
السودان لا يحتاج خصومة مفتوحة، ولا سذاجة ناعمة.
يحتاج عقل دولة…يفهم متى يفتح النافذة،
ومتى يُغلقها.
نواصل …


