Popular Now

تقرير استراتيجي رقم (8) .. الإمارات العربية ومستقبل قوات الدعم السريع في ظل التصعيد الأمريكي والإقليمي .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب – الباحث المختص في الشأن الأفريقي

الحرب علي إيران بين الأطلسي وأوراسيا (الحلقة الثانية) .. بقلم/ د. اسماعيل الناير .. باحث استراتجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

مسارات .. الديمقراطية في السودان بعد الحرب: معركة بناء الدولة لا مجرد انتقال للسلطة .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. الوطنية التي تصنع السودان .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

> ليست كل الحروب تُحسم بالسلاح.بعضها يُحسم بالسردية.

ففي عالم اليوم، قد تنتصر الجيوش في الميدان… لكن تخسر الدول في ميدان الرواية.
وقد تتعرض دولة لصدمة عسكرية أو أمنية… لكنها تكسب المعركة الكبرى حين تنجح في توحيد شعبها حول فكرة الوطن.
ما جرى مؤخرًا في التجربة الإيرانية يقدم مثالًا مهمًا في هذا السياق.
فحين تعرضت إيران لصدمة قاسية كشفت عن ثغرة استخبارية مؤلمة، لم يكن التحدي الأكبر هو سد تلك الثغرة فحسب، بل سد فجوة المعنى والتفسير.
وقد نجحت القيادة في تحويل لحظة الارتباك إلى لحظة تعبئة وطنية.
لم تجعل خصومها يتحدثون بالنيابة عنها، ولم تترك الفراغ السردي مفتوحًا لعدائها.
فكانت النتيجة أن التف الشعب الإيراني حول إيران نفسها،
لا حول الأشخاص،
ولا حول الأسماء،
بل حول فكرة الدولة.
وهنا بهت الخصوم.
ليس لأن الضربة لم تكن مؤلمة،
بل لأن الشعب رفض أن يتحول الألم إلى انقسام.

في السودان، منذ أبريل ٢٠٢٣م، يخوض الجيش السوداني حربًا ليست عسكرية فقط.
إنها حرب وجود الدولة نفسها.
حرب واجهت فيها القوات المسلحة السودانية مؤامرات متشابكة،
لم تأتِ كلها من خارج الحدود فحسب،
بل تسللت بعض خيوطها من داخل المشهد السياسي ذاته.
فبينما كان الجنود يقاتلون في الميدان،
كانت بعض النخب السياسية تخوض معركة أخرى:
معركة السلطة قبل الوطن.
هناك من راهن على الخارج.
وهناك من اعتقد أن الطريق إلى الكرسي يمر عبر إضعاف الدولة.
وهناك من ظن أن الشعب يمكن أن يعيش على الوعود بدل الجهود.
لكن شيئًا آخر كان يحدث بصمت.
الشعب السوداني – بكل آلامه وخساراته – لم يتخلَّ عن فكرة السودان.
وفي لحظة فارقة من التاريخ،
وقف السودانيون خلف جيشهم…
ليس لأنهم يبحثون عن أشخاص،
بل لأنهم يبحثون عن وطن لا ينهار.
وهنا تكمن القوة الناعمة الحقيقية.
القوة التي لا تُقاس بعدد الطائرات ولا بعدد الدبابات،
بل بعدد القلوب التي ما زالت تؤمن بأن هذا الوطن يستحق أن يُحمى.
لكن اللحظات التاريخية لا تُقاس فقط بما يحدث في الحرب…
بل بما يحدث بعدها.
فحين يلتف الشعب حول مؤسسته العسكرية دفاعًا عن الوطن،
فإن ذلك الالتفاف ليس شيكًا مفتوحًا للأشخاص،
ولا تفويضًا لإعادة إنتاج الأخطاء القديمة.
إنه التفاف حول السودان.
الشعب السوداني كفر بالتكتلات مهما كانت مسمياتها
الكتلة الوحيدة التي يؤمن بها الشعب السوداني هي الكتلة المكونة من الجيش والشعب فقط لا غير
ولهذا يجب أن تُفهم الرسالة بوضوح.
الشعب الذي صبر…
والشعب الذي احتمل…
والشعب الذي نزف…
لم يفعل ذلك من أجل برلمان مصنوع.
أو أشخاص يجتمعون في قاعات مكيفة ولم يعرفوا معني أن تزلهم مليشيا متمردة أو تقتل لهم اخ أو تاسره أو تبتر له جزءا منه
التاريخ السوداني جرّب كثيرًا من المساحيق السياسية فوجدها لا تجدي
وجرّب كثيرًا من المؤسسات التي وُلدت في الغرف المغلقة.
لكن الأوطان لا تُبنى هكذا.
الأوطان تُبنى بمن شهدوا الألم.
أبناء الخرطوم الذين عاشوا الحصار.
أبناء الجزيرة الذين ذاقوا مرارة النزوح.
أبناء سنار الذين حملوا عبء الجغرافيا المفتوحة.
أبناء دارفور الكبرى وكردفان الذين عرفوا معنى أن تكون الدولة غائبة… ثم عادوا ليشهدوا معركة استعادتها.
هؤلاء ليسوا مجرد مواطنين في سجلات.
هؤلاء شهود على هذه المرحلة من تاريخ السودان.
وإذا كان لهذا الوطن أن يؤسس برلمانه القادم،
فإن البرلمانات الحقيقية لا تُصنع بالهندسة السياسية…
بل بالتجربة الوطنية المشتركة.
ولذلك نقولها بوضوح لمجلس السيادة،
ونقولها للقوات المسلحة عبر هذا المنبر:
السودان اليوم لا يحتاج إلى تجميل سياسي.
السودان يحتاج إلى صدق سياسي.
لا يحتاج إلى مؤسسات شكلية تعيد إنتاج الأزمة،
بل يحتاج إلى لحظة تأسيس حقيقية تليق بدماء الشهداء.
يحتاج إلى برلمان يراقب ويوجه حكومة الأمل لا يصفق لها .
لقد دفع السودانيون ثمنًا باهظًا منذ عام ٢٠١٨م.
> ومنذ ذلك الوقت يبدو السودان – في كثير من اللحظات – كأنه تايه عن السودان.
تايه بين الشعارات.
تايه بين المشاريع المتصارعة.
تايه بين من أرادوه ساحة نفوذ… ومن أرادوه منصة سلطة.
لكن وسط كل هذا الضباب،
بقيت حقيقة واحدة واضحة:
> أن هذا الوطن ما زال يملك جيشًا يقاتل من أجله،
> وشعبًا ما زال مستعدًا لأن يقف خلفه…
إن كان ذلك حقًا من أجل السودان.
في فلسفة الجسر والمورد،
لا تنجو الدول لأنها الأقوى فقط،
بل لأنها تعرف كيف تبني جسرًا بين الدولة وشعبها،
وكيف تجعل من مواردها – المادية والمعنوية – مصدر قوة لا مصدر صراع.
وأكبر مورد يملكه السودان اليوم
ليس الذهب…
ولا الأرض…
ولا الموقع الجغرافي.
أكبر مورد يملكه السودان هو صبر شعبه.
ذلك الصبر الذي تحوّل إلى ثقة.
وتلك الثقة التي تحولت إلى التفاف حول الجيش.
لكن الثقة مثل الماء…
إن لم تُحفظ في إناء الحكمة…
تتسرب ببطء.
ولهذا، فإن لحظة ما بعد الحرب ستكون أهم من الحرب نفسها.
فإما أن تتحول تضحيات السودانيين إلى بداية دولة جديدة،
أو تتحول – لا قدر الله – إلى فرصة ضائعة أخرى في تاريخ السودان.
والشعوب قد تصبر كثيرًا…
لكنها لا تنسى.
ولهذا تبقى الرسالة بسيطة… لكنها عميقة:
لا تجعلوا دماء الشهداء تذهب هدرًا.
ولا تجعلوا وجع الصابرين يضيع في دهاليز السياسة.
> فالسودان اليوم لا يبحث عن قادة يطلبون الولاء، بل عن قادة يستحقون ثقة وطنٍ بأكمله.
وهذا هو #أصل_القضية

المقالة السابقة

🚩 تقرير استراتيجي: “فخ إيران” والمنعطف الجيوسياسي الأخير .. (قراءة في تقاطع نبوءات جيانغ ودوغين مع شفرة الأثر الشريف) . بقلم/ د. محمد الخاتم تميم

المقالة التالية

مسارات .. الديمقراطية في السودان بعد الحرب: معركة بناء الدولة لا مجرد انتقال للسلطة .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *