نملك نفس البصر ، لكن هل نملك ذات البصيرة؟
تستحضرني مقولة سودانية خالصة وهي: (الزول بيونسو غرضو)
للتحرر من الاستلاب الداخلي للوعي،لا نحتاج إلى خطبٍ نارية ولا إلى استعارة تجارب الآخرين لنقنع أنفسنا بأننا “على الطريق”.
نحتاج فقط إلى شجاعة التسمية…
وشجاعة النظر في المرآة دون أن نكسرها،
ودون أن نكسر أنفسنا معها.
فالاستلاب -في أخطر صوره- لا يأتي دائمًا عبر دبابة،
ولا يُفرض بمرسوم،
بل يُزرع بهدوء داخل العقول،
حتى يصبح الإنسان حارسًا لسجنه،
ومدافعًا عن القيود التي كُبِّل بها.
وهنا، لا بد من وقفة فكرية عميقة.
أولًا: سلطوية الاستلاب… حين يتحول الوعي إلى أداة قمع
في كتاب «السلطوية: ما يجب أن نعرفه»،
تنبّه إريكا فرانتز إلى حقيقة مفصلية:
السلطوية لا تعيش بالقوة وحدها،
بل بتطويع الوعي الجمعي،
حتى يرى الناس القيد ضرورة،
والخضوع حكمة،
والصمت نجاة.
وهذا بالضبط ما نواجهه اليوم في السودان،
لكن بصيغة أكثر تعقيدًا وخطورة:
سلطوية بلا نظام معلن…
وسيطره بلا حاكم ظاهر…
وقمع يُمارَس باسم الواقعية، والعقلانية، وتجنب الفوضى.
إنها سلطوية الاستلاب الداخلي،
حيث يُدار الصراع داخل المجتمع،
وتُصادَر القدرة على التسمية،
ويُخوَّن كل من يقول:
هنا الخلل… وهنا الخطأ.
فالاستلاب لا يبدأ حين يُمنع الصوت،
بل حين يُحتقر،
ويُسخر منه،
ويُقال لصاحبه:
“هذا ليس وقته”.
ثانيًا: الغزو الذي لا يتوقف… حين تُدار الحروب بأدوات داخلية
نعوم تشومسكي، في كتابه «الغزو مستمر» يحسم مسألة جوهرية:
القوى الخارجية لا تحتاج إلى احتلال مباشر، إذا نجحت في تحويل الداخل إلى ساحة تنفيذ لأجندتها.
وهنا يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا – بلا مواربة:
الإمارات، خلال السنوات الثلاث الماضية،
لم تستخدم ضد السودان إلا أدوات سودانية.
لم تُطلق خطابها من الخارج،
بل مررته عبر الانقسام،
والتضليل،
والاستلاب الداخلي للوعي،
وتفكيك الثقة بين الناس،
وتحويل كل اختلاف إلى صراع وجودي.
والأخطر:
أنها فهمت مبكرًا أن المجتمع الذي
يفضح أكثر مما يُصلح
هو مجتمع سهل التوظيف،
وسريع الانقسام،
وبطيء التعافي.
ولهذا، فإن أي حديث جاد في أصل القضية يجب أن يقولها بوضوح:
هذه المخططات لن تتوقف ما لم تبلغ غاياتها، وما لم نغلق نحن -من الداخل-
الثغرة الأخطر: ثغرة الوعي المستلب.
ثالثًا: حين تتحول النصيحة إلى فضيحة… ويُغتال الإصلاح
من أكثر مظاهر الاستلاب الداخلي انتشارًا وخبثًا:
تحويل النصيحة إلى فضيحة.
النصيحة في أصلها فعل رحمة،
لكن ما يحدث اليوم هو العكس تمامًا:
يُقال الخطأ على الملأ،
وتُكشف العيوب أمام الجمهور،
ثم يُختبأ خلف عبارة:
كنت أنصحك.
وهنا تُرتكب جريمة أخلاقية كاملة.
فالإنسان الذي يُفضَح لا يُصلَح…
بل يصمت،
ويمثل الكمال،
ويُراكم الخطأ في الخفاء،
لأن طريق التصحيح أُغلق بالإحراج.
المشكلة ليست في كشف الخطأ،
بل في الطريقة:
بين من يأخذ بيدك جانبًا باحترام،
ومن يكسرك أمام الناس ثم يدّعي الحرص…
فرق أخلاقي لا يجهله إلا المستلب.
المجتمع الذي يفضح أكثر مما يُصلح،
لا ينشر الوعي،
بل ينشر الخوف،
ولا يبني الصدق،
بل يُشجّع على التمثيل.
وهذا بالضبط ما تحتاجه أي قوة خارجية
تريد إدارة الصراع من الداخل.
سؤال أصل القضية: لماذا نكسر من يُنبهنا؟
وهنا، وقبل أن نُحمِّل الخارج كل أوزارنا،
دعونا نمتلك شجاعة سؤال أنفسنا – لا الآخرين:
هل تتفق معي في أننا، في كثير من الأحيان، نُقلِّل من قيمة أي فكرة، أو مبادرة، أو إبداع لمجرد أنها صادرة من “الآخر”؟
هل نكسر المبدع، لا لأنه أخطأ، بل لأنه تجرأ على أن يرى ما لم نعتد رؤيته؟
إنها آلية قديمة في ثوب جديد:
رفض الفكرة لا بميزانها، بل بمصدرها،
ومحاكمة النصح لا بمضمونه، بل بهوية من قاله.
وهنا لا يحضر التاريخ بوصفه حكاية،بل بوصفه قانونًا اجتماعيًا يتكرر.
نبيّ الله شعيب عليه السلام
لم يُهدَّد لأنه أجرم،
ولا لأنه خان،
بل لأنه نصح.
قال له قومه بوضوح كاشف: ﴿لَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾
أي:
لسنا منزعجين مما تقول،
بل من أنك قلته،
ومن أنك كسرت النسق،
وأربكت الطمأنينة الكاذبة.
هكذا يُواجَه كل صوت صادق في المجتمعات المستلبة:
لا يُناقَش قوله،
بل يُفتَّش في نواياه،
ولا تُوزَن فكرته،
بل يُسأل: من أنت لتقول هذا؟
وحين يتحول السؤال من ماذا قيل؟
إلى من قال؟
تكون الهزيمة قد بدأت…لا في الميدان،بل في الوعي.
رابعًا: شجاعة التسمية… بلا تشهير، وبلا مجاملة
في أصل القضية،
نقولها بوضوح لا لبس فيه:
الفاسد فاسد،
والمجرم مجرم،
لكن عبر المؤسسات، لا عبر المنصات،
وعبر القانون، لا عبر التشفي،
وعبر الإصلاح، لا عبر الفضيحة.
نحن نلتزم بالوطن قبل القانون،وبالقانون من أجل الوطن.
فالسكوت ليس حيادًا،
والمجاملة ليست حكمة،
والصمت الطويل لا يُنجب إلا فسادًا، يتحول -مع الوقت- إلى بنية يصعب اقتلاعها.
خامسًا: سودانيتنا… مرجعية الخروج من الاستلاب
التحرر الحقيقي لا يبدأ بادعاء القوة، بل بالاعتراف بالضعف دون خجل.
نؤمن بذاتنا…
بسودانيتنا،
بتعقيدنا،
بتناقضاتنا،
وبقدرتنا -رغم كل شيء- على التعلم والنهوض.
فالشعوب التي تُخفي عيوبها تُراكمها،أما الشعوب التي تُسميها فتمتلك فرصة معالجتها.
أصل القضية،،،
هذا المقال نحاول معًا أن نجد إجابة نهائية، نحاول بكل الوطنية فتح باب لأجل السودان.
ضمن رؤية الجسر والمورد سنواصل تفكيك سلطوية الاستلاب الداخلي للوعي،
وكشف كيف تُدار الهزائم قبل أن تقع، وكيف يُستثمر الخوف وكيف تتحول النصيحة إلى سلاح ضد الإصلاح.
فالتحرر الحقيقي لا يحدث حين نصفق لأنفسنا…بل حين نمتلك شجاعة أن نقول بهدوء الأقوياء: هنا أخطأنا…ومن هنا سنبدأ.

