في مقال سابق من #أصل القضية بعنوان:
«السلطة التقديرية في السودان: جسر للعدالة أم منحدر للفساد؟»
ناقشنا خطورة خروج القرار العام من إطاره المؤسسي إلى مزاج الأشخاص.
واليوم نطرح سؤالًا أكثر حساسية: هل ما نعيشه هو مسار عدالة… أم تصفية حسابات بغطاء قانوني؟
لماذا هذا السؤال ؟؟
لأننا ،،
ابتُلينا في مجتمعات مأزومة بأشخاص يُتقنون تشخيص كل العلل…إلا عيوبهم،
ويؤمنون أنهم الأجدر بكل دور دون أن يسألوا أنفسهم:
هل نملك حق الحكم، أم فقط غضب المطالبة؟
العدالة كلمة نبيلة، لكنها – في المجتمعات المأزومة – قد تتحول إلى أخطر سلاح سياسي إن خرجت من يد الدولة ودخلت سوق الخصومات.
وهنا مكمن الخطر؛ لأن العدالة حين تفقد حيادها، لا تُنصف الضحايا ولا تُصلح الدولة، بل تُعيد إنتاج الظلم بلغة أكثر أناقة.
أولًا: متى تنقلب العدالة إلى أداة؟
تنقلب العدالة إلى تصفية حسابات حين:
تُستدعى ضد خصوم محددين
وتُجمَّد أمام حلفاء معروفين
وتُدار بالهتاف لا بالإجراء
وتُقاس بالضجيج لا بالمعيار
هنا لا نكون أمام عدالة، بل أمام انتقام مؤجَّل بزيّ قانوني.
والانتقام لا يبني دولة…بل يزرع ألغامها القادمة.
ثانيًا: الوعي حين يخلط بين الحق والغضب
الغضب مفهوم، بل ومشروع في دولة عانت طويلًا من الظلم وانسداد الأفق.
لكن الخطر يبدأ حين يطلب الوعي:
نتائج سريعة بلا تحقيق
إدانة بلا مسار
عقوبة بلا ضمانات
وحينها يحدث الانزلاق الكبير:
نُضحّي بالعدالة باسم الاستعجال فنخسرها إلى الأبد.
الدولة لا تُبنى على إرضاء الغضب، بل على تهذيبه بالقانون.
ثالثًا: الإسقاط الدفاعي… حين تتحول العدالة إلى مرآة مكسورة
في هذا السياق، يبرز ما يُعرف بـ الإسقاط الدفاعي؛
وهو آلية نفسية–اجتماعية يُسقِط فيها الفرد أو الجماعة أخطاءهم، ومخاوفهم وشبهاتهم على الآخر لتجنّب مواجهة الذات، وتحويل الصراع من مراجعة داخلية
إلى خصومة خارجية.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المنحى الإنساني العميق بقوله تعالى:
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾
حيث لا يكون الهدف إصلاح الخطأ، بل تعميمه، ولا إحقاق الحق، بل تسوية الجميع في مستوى الانهيار الأخلاقي حتى لا تبقى مرآة تُذكّر بالخلل.
ومن منظور الجسر والمورد،
لا يُعد الإسقاط الدفاعي مجرد سلوك نفسي، بل آلية سياسية خطرة،
تتسلل إلى مسار العدالة، فتجعل المحاسبة وسيلة لتبرئة الذات، لا لإصلاح الدولة،
ويُستدعى القانون لمعاقبة “الآخر”، لا لتقويم الخلل المشترك.
رابعًا: التجربة السودانية والجرح المفتوح
في السودان، تراكمت مظالم حقيقية، لكنها وُضعت في ساحة سياسية ملتهبة.
فأصبح السؤال:
من يُحاكم؟
ومتى؟
وبأي معيار؟
سؤال سياسي لا قانوني.
وهنا فشلت الدولة مرتين:
مرة حين لم تُنصف الضحايا
ومرة حين سمحت بتسييس العدالة
فصار بعض الأبرياء متهمين، وبعض المتهمين محميين،
وضاعت العدالة بين الطرفين.
خامسًا: العدالة الانتقائية أخطر من غياب العدالة
غياب العدالة يُغضب، لكن العدالة الانتقائية تُدمّر الثقة.
لأن المواطن حين يرى:
هذا يُحاسَب
وذاك يُحصَّن
دون معيار واضح،
لا يقول: الدولة أخطأت، بل يقول: الدولة تكذب.
وهنا تنهار الشرعية الأخلاقية، حتى لو بقيت النصوص القانونية.
سادسًا: القانون دون تشهير… حكمة الدولة وذاكرة المجتمع
من أخطر ما يُفرغ العدالة من معناها، خلط المحاسبة بالتشهير.
فالقانون وُجد ليُطبّق، لا ليُستخدم منصة إذلال عام.
وقد لفت انتباهي، وأنا أستمع لإحدى البرامج في إذاعة هنا أم درمان،
حديث الأستاذ القامة/ إبراهيم البزعي حين أشار إلى أصل راسخ في الثقافة السودانية: «إذا اتشاكلت مع زول… دق، لكن ما تشتم»
وهو تعبير شعبي، لكنه يحمل حكمة قانونية عميقة:
> العقوبة تُنهي الفعل، أما الإهانة فتُطيل العداوة.
فالدولة التي تُعاقب دون تشهير تحمي هيبة القانون،
أما الدولة التي تُشهّر فتحوّل العدالة إلى مسرح وتفتح باب الثأر بدل إغلاق ملف الجريمة.
سابعًا: من منظور الجسر والمورد… ما العدالة المطلوبة؟
في رؤية الجسر والمورد، العدالة ليست:
ثأرًا
ولا مكايدة
ولا تصفية مرحلة بمرحلة
بل هي: جسر عبور من الفوضى إلى الدولة، ومورد ثقة يعيد للناس إيمانهم بالقانون.
عدالة تُدار بـ:
معايير معلنة
وإجراءات شفافة
وتوقيت محسوب
وضمانات لا تُستثنى
حتى يشعر الجميع أنهم أمام دولة، لا أمام خصومة متنكرة.
لماذا تفشل العدالة حين تُستعجل؟
لأن الاستعجال:
يُضعف التحقيق
ويُسيّس القرار
ويُسقط الأحكام لاحقًا
ويمنح الفاسدين فرصة التشكيك.
وهكذا نخسر: القضية، والضحايا وهيبة الدولة في آن واحد.
العدالة البطيئة المؤسسية خير من عدالة سريعة منهارة.
#أصل القضية
السؤال ليس: هل نريد عدالة؟
بل: أي عدالة نريد؟
عدالة تُرضي لحظة؟ أم عدالة تحمي دولة قادمة؟
العدالة التي تُستخدم كسلاح، سترتد على حاملها.
أما العدالة التي تُبنى كمؤسسة، فهي وحدها القادرة على إغلاق جراح الماضي
دون فتح مرارات جديدة.
نواصل في #أصل القضية:
هل نُصلح الدولة من القمة…أم من التفاصيل التي يراها المواطن كل يوم؟


