كثيرًا ما يُطرح السؤال الخطأ:
كم نحتاج من مراكز فكر في السودان؟
والسؤال الأصح هو:
أي نوع من مراكز الفكر نحتاج؟
لأن استنساخ النماذج الجاهزة، من واشنطن أو بروكسل أو حتى من دول الجوار السوداني، لا يُنتج مركز فكر سودانيًا، بل نسخة أنيقة بلا جذور.
وهنا… تبدأ أصل القضية.
أولًا: لماذا لا يصلح الاستنساخ؟
مراكز الفكر في الدول المستقرة تعمل داخل دولة مكتملة، تتعامل مع سياسات قابلة للاستمرارية، وتتحرك في بيئة مؤسسية صلبة.
أما السودان، فمنذ ٢٠١٨م وحتى اليوم، فهو في حالة إعادة تشكّل مستمرة.
والفكر الذي لا يفهم هذا الفرق، سيظل يكتب وكأن الدولة واقعة على الطاولة… بينما هي في الحقيقة قيد التجميع.
> النموذج المطلوب: مركز فكر في «منطقة الوسط»
السودان لا يحتاج مركزًا معارضًا دائمًا، ولا تابعًا صامتًا،
بل مركزًا يتموضع في منطقة الوسط السيادي:
● قريب بما يكفي لفهم القرار،
● بعيد بما يكفي للاحتفاظ بالاستقلال،
واضح الانحياز لمصلحة الدولة.
هذا ليس تناقضًا، بل شرطًا للعمل في دولة انتقالية.
ثانيًا: الوظائف الأربع لمركز الفكر
١) أن يكون مُصمِّم سيناريوهات لا كاتب توصيات:
الدولة لا تريد إجابة واحدة، بل خريطة خيارات:
● ماذا لو نجح؟
● ماذا لو فشل؟
● ماذا لو لم نفعل شيئًا؟
٢) مختبر سياسات قبل تعميمها:
أي سياسة كبرى يجب أن تُختبر،
تُقاس آثارها،
ثم تُعدّل قبل التنفيذ.
> مركز الفكر هنا ليس ناقدًا، بل شريك تنفيذ.
٣) وسيط بين الداخل والخارج :
السودان يعيش وسط شبكة ضغوط دولية.
مركز الفكر يترجم المصالح الوطنية، يعيد صياغة الشروط الخارجية، ويمنع سوء الفهم المكلف.
> هو مترجم سيادي… لا ساعي بريد.
٤) صانع قبول اجتماعي :
السياسات لا تفشل في المكاتب، بل في الشارع.
ومركز الفكر يجب أن يشرح القرار، ويهيئ الرأي العام، ويحوّل الرؤية إلى قصة وطنية.
> لأنه لا سياسة تنجح بلا جمهور يفهمها.
ثالثًا: المعرفة حين تختصر الدولة
لا تُقاس قيمة المعرفة بتراكمها، بل بقدرتها على التحوّل إلى فعل عام في لحظة الحاجة. ويشير القرآن إلى هذا المعنى بدقة حين يقول تعالى:
﴿قَالَ ٱلَّذِى عِندَهُۥ عِلْمٌۭ مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ… الآية ﴾سورة النمل، فالآية لا تتحدث عن تفوق معرفي مجرد، بل عن تموضع المعرفة داخل لحظة القرار. لم تُقدَّم المعرفة بوصفها رأيًا يُناقش ولا توصية تُؤجَّل، بل كقدرة على اختصار الزمن وتقليل المسافة بين الإرادة والتنفيذ.
وهذا هو جوهر وظيفة مركز الفكر في الدولة الانتقالية: معرفة جاهزة للإنزال، مدركة لتوقيت التدخل وحدوده، تختصر التعقيد بدل أن تُراكِمه، وتقلل كلفة التردد بدل أن تزيدها.
من هنا، لا يكون مركز الفكر صوتًا فوق الدولة، ولا جهازًا تابعًا لها، بل فاعلًا معرفيًا ملاصقًا للقرار:
● قريب للفهم،
● مستقل في التقدير،
● محدود الدور بحدود الدولة نفسها.
> معرفة تختصر الدولة دون أن تستبدلها، وتسرّع الفعل المؤسسي دون أن تخنقه.
رابعًا: ماذا عن الاستقلالية؟
> الاستقلالية لا تعني القطيعة، وتلقي التمويل لا يعني الارتهان.
الاستقلال الحقيقي هو:
● وضوح التموضع،
● شفافية التمويل،
● امتلاك أجندة وطنية مكتوبة.
وهذا ما يحمي مركز الفكر من التحول إلى لسان حال الممول… أو صدى السلطة.
#أصل القضية،،،
السودان لا يحتاج مراكز فكر أكثر،
بل يحتاج مراكز فكر تتموضع بالمعرفة والمصلحة الوطنية.
مراكز لا تكتفي بالنقد، ولا تذوب في السلطة،
بل تعمل في المساحة الأصعب:
بين الفكرة… والقرار… والتنفيذ.
نواصل في #أصل القضية إلى السؤال العملي الحاسم:
كيف نربط مراكز الفكر فعليًا بمفاصل الدولة دون أن نخنق استقلالها؟
وأين يكمن ذلك الخيط الرفيع؟


