> ليست كل المطالب وطنية، وليست كل الشكوى وعيًا، وليست كل الرغبات مشروع دولة.
أخطر ما يواجه السودان منذ ٢٠١٨م– ولا يزال – ليس غياب الدولة فقط،
بل التباس فكرة الدولة نفسها في الوعي العام.
نحن كثيرًا ما نهتف:
نريد دولة
لكن السؤال الذي لم نواجهه بصدق هو:
أي دولة نريد؟
دولة نشارك في بنائها؟
أم سلطة نحمّلها كل شيء ونتفرج؟
أولًا: الخلط القاتل بين «الدولة» و«السلطة»
> الدولة ليست مكتبًا، ولا وزيرًا، ولا مجلسًا، ولا بيانًا.
الدولة هي:
● قانون ولوائح؛
●مسؤوليات متبادلة
لكن في الوعي السوداني المُرهق،
تحولت الدولة إلى:
●جهة تُلام دائمًا
●وتُطالب بكل شيء
●وتُترك وحدها عند الفشل
نطالبها:
●أن توفر
●أن تُنقذ
●أن تُصلح
●أن تُطعم
●أن تحمي
●أن تُقنع
وفي المقابل؟ لا نُراجع:
●سلوكنا
●التزامنا
●دورنا
●مساهمتنا
●حتى صبرنا المنتج
● ولا ننسى صمتنا
■وهنا تتحول الدولة من مشروع جماعي
■إلى «مقاول أزمة» نطالبه بالمعجزة.
ويمكن تبسيط فكرة الدولة في معادلة:
الدولة = سلطة + مجتمع واعٍ
فإذا حاولت السلطة أن تعمل وحدها، فشلت.
وإذا انتظر المجتمع كل شيء، تعطلت الدولة.
ثانيًا: لماذا فشلت السلطة حين حاولت أن تكون «الدولة»؟
لأن السلطة حين تحاول أن تقوم بكل شيء:
●تضعف
●تُستنزف
●وتتحول إلى جهاز رد فعل لا قيادة
في لحظات الانتقال،
ويمكن تلخيص ذلك في معادلة بسيطة:
فشل السلطة = محاولة القيام بكل شيء × غياب المجتمع
> أخطر ما يمكن أن يحدث هو:أن نطلب من السلطة أن تحل محل المجتمع وهذا ما حدث.
فبدل أن:
●تُدار المرحلة بعقد واضح
●تُوزَّع الأدوار
●تُبنى المسؤولية تدريجيًا
تحولت الدولة إلى:
●مظلة انتظار
●ومخزن غضب
●وساحة إسقاط
والنتيجة؟
●لا السلطة نجحت،
●ولا المجتمع نضج.
ثالثًا: كيف خدم هذا الخلط سرديات الهدم؟
حين لا يفرّق الوعي بين:
الدولة كفكرة
والسلطة كأداة مؤقتة
يصبح من السهل تسويق خطاب:
●«الدولة فاشلة»
●«لا فرق بين الأنظمة»
●«كلهم سواء»
ويمكن تلخيص ذلك في معادلة ذهنية بسيطة:
الخلط المفاهيمي × الإحباط = سرديات هدم
لأن المواطن لم يُدرَّب ذهنيًا على السؤال:
●ما دوري؟
●ما حدود توقعاتي؟
●وما الذي لا يمكن للدولة فعله نيابة عني؟
فالاستلاب يبدأ حين نطلب من الدولة ما لا يمكن أن تُقدمه.
رابعًا: من منظور الجسر والمورد – أين الخلل؟
وفق رؤية الجسر والمورد:
الدولة جسر
يربط بين:
●المواطن والفرصة
●الجهد والنتيجة
●التضحية والمكافأة
لكنها ليست:
●بديلًا عن المجتمع
●ولا وصيًا على وعيه
●ولا آلة لإرضاء الجميع
أما المورد الحقيقي فهو:
●المواطن الواعي بدوره
●لا المواطن الغاضب بلا مسؤولية
حين نُفرغ المواطن من دوره، نُجفف المورد، ونُحمّل الجسر ما لا يحتمل، فينهار.
خامسًا: ماذا يعني أن نريد «دولة» فعلًا؟
أن نريد دولة يعني:
●أن نقبل بالتدرّج لا القفز
●أن نميّز بين الفشل والمرحلة
●أن نُحاسب دون أن نهدم
●أن نُصلح دون أن نُعطّل
ويعني قبل كل شيء:
■أن نخرج من عقلية «الدولة تعمل بدلًا عنا»
■إلى عقلية «الدولة تعمل معنا».
#أصل_القضية،،
هذا السؤال ليس تنظيرًا، بل امتحان وعي.
لأن الدولة لا تُبنى:
بالنيات
ولا بالشعارات
ولا بإسقاط الغضب
بل:
بتوازن دقيق بين سلطة تعرف حدودها
ومجتمع يعرف واجبه.
وما لم نُجب بصدق عن هذا السؤال، فإن كل حديث عن:
إصلاح
انتقال
أو أمل
سيبقى مؤجلًا…
مثل الدولة نفسها.
في المقال القادم من #أصل_القضية نطرح السؤال التالي:
هل نطالب بدولة قوية… أم نخاف من قوة الدولة حين تبدأ في المحاسبة؟


