في كل المراحل التي سبقت سقوط الوعي السوداني في هوة الاستلاب الداخلي، لم يكن الصوت هو الغائب الوحيد، بل كان الغياب مقصودًا ومُتعمّدًا.
لقد تعلّم المستلبون -من الداخل قبل الخارج- أن أخطر سلاحٍ ضد الشعوب ليس الرصاص، بل هندسة الصمت.
هندسة الصمت… حين يصبح الخوف منهجًا
هندسة الصمت ليست غياب الكلام.
هي سياسة… وأداة صراع… وهندسة كاملة للوعي تقوم على خلق ثلاث طبقات عميقة:
١) طبقة الخوف: لا تتكلم حتى لا تُستهدف.
٢) طبقة الشك: لا تتكلم لأن صوتك لن يغيِّر شيئاً.
٣) طبقة اللامبالاة: لا تتكلم لأن هذه ليست معركتك أصلاً.
ومتى اكتملت هذه الطبقات الثلاث… يصبح المجتمع في حالة صمت جمعية، لا لأن الناس تريد الصمت… بل لأنهم خُلقوا ليصمتوا.
وهنا يتجسد ما قاله الشاعر أحمد مطر بدقة مذهلة:
«إذا تركت أخاك تأكله الذئاب، فاعلم بأنك يا أخاه ستستطاب…»
هذا ليس بيت شعر…
هذا تحليل سوسيولوجي لحالة مجتمع يُسمح فيه بتمزيق فرد واحد دون أن يتحرك الباقون، لأن كل واحد منهم يعتقد أن دوره بعيد… بينما الخراب يمشي نحوه غرفةً غرفة.
السودان… حين تصبح النيران في الغرفة الأولى “ليست شأني”
منذ ديسمبر ٢٠١٨م وحتى أبريل ٢٠٢٣م، كان الخراب يدخل علينا غرفةً بعد غرفة…
كنا نراه، نسمع صريره، نشم دخانه… لكننا قلنا:
“الغرفة المحترقة ليست غرفتي”
وفجأة أُطفئت الأنوار في البيت كله… لأن الجميع كان ينتظر شخصاً آخر ليقوم بالواجب.
هذا بالضبط ما قصده الكاتب المبدع الأستاذ (حسين خوجلي) حين استعان بمشهد كاراكاس في يوم التهديد بالغزو… كان الفرق فاضحًا:
●الفنزويليون رأوا المعركة فرض عين،
●أما نحن فتعاملنا معها كأنها فرض كفاية.
وما بين فرض العين وفرض الكفاية… خلق التاريخ أمماً تنهض، وأخرى تذبل.
ما الذي حدث لوعي السوداني؟
السوداني في عمقه ليس جبانًا، وليس لا مباليًا، وليس محايدًا تجاه وطنه.
لكن السوداني وقع تحت ثلاث دوائر من الاستلاب الداخلي:
١) استلاب تعريف المعركة
لم يُترك للسوداني أن يحدد ما هي معركته الحقيقية. صُنعت له “معارك بديلة”، وشُغِل بصغائر تُخفي الكبائر.
٢) استلاب تعريف العدو
تاه السوداني بين عدو خارجي يتخفى بوجوه داخلية، وخصومات داخلية تُدار بتوجيهات خارجية.
٣) استلاب تعريف الذات
فلم يعد يعرف ما دوره، ولا ما واجبه، ولا أين يقف، ولا لماذا يُستهدف.
ولأن الوعي سقط… سقطت معه المدينة.
إذن… ما الذي يريده السوداني حقًا؟
السوداني -في الجوهر العميق- يريد خمس حاجات أساسية:
١) معنى يعيش لأجله.
٢) قضية يقاتل من أجلها.
٣) مؤسسة ينتمي لها لا لقائدها.
٤)وطن يشعر أنه يحميه كما يحميه.
٥) صوت لا يخاف أن يعلو.
ولأن هذه الأشياء غابت، ظهر السؤال الكبير:
“ماذا نريد نحن الشعب السوداني؟”
السؤال ليس فلسفيًا… بل سياسي واستراتيجي.
رؤية الجسر والمورد… حين يتحول الصمت إلى قوة مضادة
وفق رؤية الجسر والمورد، ليست المعركة معركة سلاح فقط، بل معركة:
●وعي مستعاد.
●صوت مُستنهض.
●دور مُعرّف.
●معنى مُعاد إنتاجه.
وعليه، لا بد من إستراتيجية جديدة تعيد هندسة الصوت بدلاً من هندسة الصمت:
١) تحويل المواطن من متفرّج إلى فاعل.
٢) تعزيز الانتماء للمؤسسة لا للفرد.
٣) إعادة بناء الهوية القيمية للسوداني.
٤) صياغة وعي جمعي يقاوم الاستلاب الداخلي والخارجي.
٥) إنتاج سردية وطنية واحدة تُلهم لا تُربك.
#أصل_القضية …
لن يعود السودان بصوت واحد، بل بأصوات كثيرة… حين يتوقف كل سوداني عن الاعتقاد بأن “الغرفة المحترقة ليست غرفته”.
المعركة السودانية فرض عين؛
والوطن الذي نعجز عن حمايته اليوم…
سيعجز لاحقًا عن حماية أي واحد منا.
وحين يرتفع الصوت…
يسقط الاستلاب…
ويبدأ الجسر والمورد في أداء دوره الحقيقي:
إعادة تعريف المعركة، وتثبيت معنى الانتماء، وبناء وعي جديد لا يُهزم.


