مقدمة
بوساطة قادتها كل من أمريكا وتركيا ومصر وقطر تم توقيع اتفاقية في مدينة شرم الشيخ بمصر حضرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقادة آخرون، وغاب عنها نتنياهو بين حماس و إسرائيل بعد حرب دامت لمدة عامين امتدادًا للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الدائر لمدة عقود حيث تظهر بين الحين والآخر اتفاقيات تهدئة تبعث بشيء من الأمل، لكنها غالبًا ما تتحول إلى مجرد فواصل بين جولات جديدة من العنف.
اتفاقية شرم الشيخ الأخيرة، التي تمت عبر وساطات متعددة، ليست استثناءً من هذه القاعدة، بل تحمل في طياتها نقاط ضعف هيكلية تجعلها عرضة للانهيار في أي لحظة.
نقاط الضعف الأساسية في الاتفاقية:
١. غياب الآليات التنفيذية والمراقبة الفعلية:
أبرز نقاط الضعف في هذه الاتفاقية-كما في سابقاتها- يتمثل في عدم وجود آلية واضحة وفعالة لمراقبة الالتزام ببنودها. فغياب طرف دولي محايد يتمتع بصلاحيات حقيقية للمراقبة على الأرض، مع عدم وجود عقوبات رادعة للمخالفين، يحول الاتفاقية إلى حبر على ورق. فكيف يمكن محاسبة من ينتهك الهدنة دون وجود سلطة تنفيذية قادرة على فرض الاحترام؟ وتكون النتيجة الحتمية عدم صمود الاتفاق لفترات طويلة.
٢. الطبيعة المؤقتة وعدم معالجة الجذور:
تعاني الاتفاقية من نفس الداء الذي أصاب سابقاتها؛ التركيز على تهدئة الوضع الأمني المؤقت مع تجنب كامل للقضايا الجوهرية. مثل حل الدولتين وقضية الحصار على غزة، وتوسع المستوطنات، ووضع القدس، ومصير الأسرى، تبقى جميعها خارج حسابات هذه الاتفاقية. وبالتالي، فهي تشبه علاج الأعراض دون معالجة المرض نفسه. طالما المشكلات الأساسية قائمة سيعود التوتر والعنف سيدا للموقف بشكل متكرر ما لم تعالج جذور المشكلة.
٣. تعدد التفسيرات والقراءات:
كل طرف يخرج من الاتفاقية بتفسير مختلف لنصوصها، مما يخلق بيئة خصبة للخلافات المستقبلية. فبينما قد تركز إسرائيل على الجانب الأمني فقط، تقدم حركة حماس الاتفاقية على أنها انتصار للمقاومة. هذا الالتباس المتعمد في الصياغة يجعل من السهل على أي طرف الانسحاب من الالتزام بدعوى أن الطرف الآخر لم يفِ بالتزاماته بناء على تفسيره الخاص.
٤. هشاشة أمام المستجدات الميدانية:
تبقى الاتفاقية رهينة لأي حدث أمني طارئ،سواء من قبل فصائل فلسطينية قد لا تشعر بالالتزام الكامل بالاتفاقية، أو من قبل مستوطنين أو جماعات يمينية إسرائيلية. وفي ظل عدم وجود آلية فعالة لاحتواء هذه الأحداث، تتحول الحادثة البسيطة إلى شرارة لإشعال مواجهة جديدة.
٥. انعدام الرؤية الإستراتيجية:
الأخطر في هذه الاتفاقية هو غياب الرؤية الاستراتيجية التي تحولها من مجرد هدنة مؤقتة إلى خطوة على طريق حل دائم.فبدون بناء ثقة حقيقية بين الطرفين، وبدون خطة واضحة للوصول إلى تسوية سياسية شاملة، تتحول هذه الاتفاقيات إلى مجرد مسكنات وقتية تزيد من تعميق جذور الأزمة على المدى الطويل وسيبقى الصراع دون حل.
خاتمة:
اتفاقية شرم الشيخ،رغم أهميتها المؤقتة في تخفيف حدة التوتر، تبقى حلقة أخرى في سلسلة طويلة من المحاولات الفاشلة. ما لم تتحول هذه الاتفاقيات من مجرد تهدئات مؤقتة إلى جزء من عملية سياسية شاملة تتعامل مع جذور الصراع، ستستمر الدورة نفسها من العنف والتهدئة إلى أجل غير مسمى. التاريخ علمنا أن السلام الحقيقي لا يُبنى على هدنة هشة، بل على عدالة شاملة وحلول جذرية.
عندئذ يحق للرئيس ترامب أن يمد رجليه ويدعي أنه صنع سلامًا بين حماس وإسرائيل علّه أن تنفعه في ترشحه القادم لجائزة نوبل التي خسرها هذا العام إن كان في عمره بقية.
