Popular Now

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. لا للحرب… كيف أُفرغت الانتصارات من معناها؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

الأستاذ الجامعي والتعليم العالي في السودان: أزمة بنيوية تستوجب تدخّل الدولة .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني

لا تزال مؤسسات التعليم العالي السودانية تعيش مرحلة دقيقة تتطلب قراءة واقعية لا مكان فيها للمجاملة أو الإنكار. فقد خرجت الجامعات السودانية أخيراً من التصنيفات العالمية المعتمدة نتيجة تراجع معايير الأداء المرتبطة بجودة التعليم والبحث العلمي والبيئة الجامعية. وبالنظر إلى منهجيات التصنيف الدولي، نجد أن التقييم يرتكز – باختصار – على مؤشرات أساسية تشمل: جودة البحث العلمي والاستشهادات، الاستقرار الأكاديمي، البنية التحتية، نسبة الأساتذة للطلاب، السمعة الأكاديمية، السمعة لدى سوق العمل، الانفتاح الدولي والحوكمة الجامعية.

هذه المؤشرات ليست مجرد أرقام، بل هي انعكاس مباشر لصلابة النظام الجامعي وقدرته على إنتاج خريجين قادرين على المنافسة في عالم لا يعترف إلا بالمعرفة المتجددة والكفاءة الحقيقية.

أولاً: الأستاذ الجامعي… الحلقة الأضعف في منظومة منهكة

بحكم عملي في أكثر من مؤسسة جامعية داخل السودان واحتكاكي الدائم بالطلاب، أدرك حجم المسؤولية التي يحملها الأستاذ الجامعي في ظل واقع معقد يتطلب جهداً مضاعفاً.
فالتعليم اليوم لم يعد مادة جامدة أو منهجاً يكرر سنوياً، بل أصبح منظومة متغيرة بسرعة تكاد تُحوّل معلومة اليوم إلى تاريخ بعد شهور.

ولهذا أحرص شخصياً على تجديد مقرري الدراسي كل عام، تطويراً للمحتوى ومواءمةً مع المستجدات الدولية. لكن هذا يُرهق الأستاذ لأنه يتطلب:

  • إعداد محاضرات حديثة ومتطورة.
  • مراجعة مستمرة للمصادر العالمية.
  • شرحاً تفاعلياً يناسب جيل التقنية.
  • تصحيحاً مرهقاً يتناسب مع عدد الطلاب.
  • ومتابعة أكاديمية دقيقة لرصد الدرجات والتقويم.

ورغم كل هذا الجهد، فإن المقابل المالي الذي يحصل عليه الأستاذ لا يرقى إطلاقاً إلى حجم العمل.
فالمؤلم – بل والصادم – أن تدريس كورس كامل (نحو 12 محاضرة في ثلاثة أشهر) مع التصحيح والرصد لا يتجاوز 50 إلى 100 دولار فقط.
ولمن يشكّ، لم أنسَ صفراً… هذا هو الواقع.

هذه المعادلة تضع الأستاذ الجامعي بين نارين:

  • نار الالتزام العلمي والضمير المهني.
  • ونار البحث عن دخل إضافي يعينه على الحياة.

وغالباً يكون الدخل الإضافي خصماً على الوقت المخصص للبحث والتدريس والتطوير، مما يضعف الجودة لا إرادياً.

ثانياً: مفارقة الجامعات الخاصة… دخل عالٍ وجودة منخفضة

يحقق كثير من الجامعات الخاصة دخلاً عالياً من رسوم الطلاب، لكن الضغط على الأستاذ في التصحيح وإدارة الأعداد الكبيرة من الطلاب، ينعكس في النهاية على الطالب نفسه، خصوصاً الطالب محدود الإمكانيات الذي يدفع من قوت أسرته أملاً في تعليم جامعي يغير مستقبله.

إن ضعف الاستثمار في الأستاذ يعني -ببساطة شديدة- ضعف مخرجات التعليم، وبالتالي ضعف قدرة الخريج على دخول سوق عمل لا مجاملة فيه ولا مكان فيه إلا للأكثر كفاءة.

ثالثاً: الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل

لقد أتيح لي العمل لفترة في الخليج، وتحديداً في إدارة منشأة صحية، ومن هناك رأيت حجم الفارق في تأهيل بعض الجنسيات الأخرى، وكيف انعكس ذلك على المنافسة الشرسة في سوق عمل يعتمد على المهارات أكثر من الشهادات.

وهذا ما يجب أن يعيد صياغة سؤالنا المركزي:
هل نعيد إنتاج نظام تعليمي قديم؟ أم نهيئ جيلاً يملك مهارات المستقبل؟

لا يمكن أن نحقق ذلك ما لم نرتقِ بالمحتوى العلمي، ونؤهل الأستاذ الجامعي، ونربط الجامعات مباشرة بمتطلبات السوق ومؤشرات الاقتصاد الوطني.

رابعاً: تشخيص الأزمة البنيوية

تتجلى جذور الأزمة في التالي:

  • غياب التمويل الحقيقي للتعليم العالي.
  • ضعف الأجور والحوافز.
  • انهيار البيئة الجامعية البحثية.
  • عدم توفر معامل ومراجع حديثة.
  • ضعف الحوكمة والرقابة.
  • غياب العلاقة بين الجامعات والصناعة.
  • هجرة العقول الأكاديمية المحمولة على حلم حياة كريمة

هذه ليست تفاصيل عابرة، بل قضية وجودية تهدد حاضر ومستقبل الدولة.

خامساً: نحو مسار إصلاح مستقبلي… رؤية للحلول

للوصول إلى إصلاح جذري يصنع الفرق، أقترح مجموعة حلول تستند إلى منظور إستراتيجي وتنموي:

1. دعم الدولة للأستاذ الجامعي

  • وضع هيكل رواتب حقيقي يكفل حياة كريمة.
  • حوافز الأداء الأكاديمي والبحثي.
  • تأمين صحي وسكني واجتماعي مستدام.
  • تقليل العبء التدريسي وزيادة الوقت المخصص للبحث العلمي.

2. إعادة هيكلة الجامعات

  • دمج الجامعات الضعيفة.
  • تخفيف الأعداد الكبيرة في الكليات النظرية.
  • فرض حوكمة صارمة للقبول الخاص.
  • ربط تمويل الجامعات بمؤشرات الجودة لا بعدد الطلاب.

3. تحديث المناهج وفق معايير عالمية

  • تطوير المقررات سنوياً.
  • إدخال الذكاء الاصطناعي، اقتصاد المعرفة، مهارات المستقبل.
  • ربط المناهج بسوق العمل عبر لجان مشتركة مع القطاع الخاص.

4. بناء شراكات إنتاجية

  • شراكات مع المؤسسات الصناعية والصحية والزراعية.
  • تمويل أبحاث تطبيقية تعود على الاقتصاد.
  • تحويل الجامعات إلى مراكز ابتكار وريادة أعمال.

5. بيئة جامعية جاذبة

  • معامل حديثة.
  • مكتبات رقمية.
  • ورش عمل مستمرة للأستاذة.
  • منصات للتعليم التفاعلي.

6. استقلالية الجامعات مع رقابة الدولة

  • منح الجامعات استقلالاً أكاديمياً.
  • مقابل رقابة صارمة على الجودة والحوكمة.

سادساً: خاتمة… طريق الإصلاح يبدأ من الأستاذ

إن إصلاح التعليم العالي ليس ترفاً ولا خياراً ثانوياً، بل هو مسألة أمن قومي.
والأستاذ الجامعي هو حجر الزاوية؛ فإذا انهار، انهارت معه كل حلقات المعرفة والإنتاج.

وعليه، فإن راحة الأستاذ الجامعي، ودعمه، وتمكينه، وتمويله ليست مطالب فئوية، بل هي استثمار وطني في مستقبل السودان.

إنّ بناء جيل قادر على المنافسة يبدأ من قاعة المحاضرة… ومن الأستاذ الذي يحمل شعلة المعرفة رغم كل الظروف.

وإذا أرادت الدولة أن تصحح المسار، فعليها أن تبدأ من هنا.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | العودة للخرطوم ورسائل مفضّل .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. وما أنت بمؤمن لنا … بقلم/محمد أحمد أبوبكر — باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *