عندما استولى جعفر نميري على الحكم في العام ١٩٦٩ ، كانت الصحف الأوروبية غارقة في حملات إعلامية ركزت فيها على الحرب في جنوب السودان، وما يتعرض له المسيحيّون من قتل وتشريد، ومن نماذج تلك الحملة ما أوردته صحيفة الصنداي تايمز البريطانية في عدد ١/٣/١٩٧٠ بعنوان (مأساة بيافرا تهدد ثوار جنوب السودان) حملت عناوين صحف أوروبية أخرى تحمل مثلا (الكنيسة كبش فداء في متاعب السودان).
باستلام نميري السلطة في السودان تراجعت قوة حركة الأنانيا المتمردة في جنوب السودان، لذا كان قرار الكنيسة الكاثلوكية ضخ الدم في عروق الأنانيا الميتة، وتمثل ذلك في أن تستعين الأنانيا بالمرتزق الألماني الجنسية (رولف اشتاينر) صاحب الخبرة في القيام بالأعمال الإجرامية الكبرى في دول أخرى من بينها دول أفريقية، فاشتاينر ولد في مدينة ميونخ الألمانية عام ١٩٣٣، وهو مسيحي كاثلوكي، عمل في قوات الصاقعة النازية، ثم التحق بالقوات الفرنسية وشارك معها في حروب المغرب، والهند الصينية، وفيتنام والجزائر، ثم عمل مرتزقًا في حروب الكونغو ومع (أوجوكو) القائد النيجيري الانفصالي في حرب (بيافرا) في الجزء الجنوبي الشرقي من نيجيريا، وقد فاخر رولف بأنه قتل الآلاف من المسلمين في نيجيريا وأنه دمر ست طائرات للجيش هناك.
شارك المرتزق رولف إشتاينر حركة التمرد في جنوب السودان بموجب اتفاق مع الأب (كيفين) الكاثلويكي، والذي سهل له السفر إلى كمبالا ثم إلى جنوب السودان في مناطق تواجد قوات الأنانيا، و عند وصوله استقبله عدد كبير من قيادات التمرد بحفاوة وترحاب كبير، بعدها انخرط رولف في تنظيم صفوف الأنانيا وعندها تعرف على ارتباط الأنانيا بالجيش الإسرائيلي وجهاز الموساد، وما تم تقديمه من دعم لوجستى وتدريب عسكري واستخباري للأنانيا ( راجع كتاب طرزان الذي يوثق العلاقة هذه) . كما اطلع إشتاينر على ما قامت به بريطانيا عبر جهاز مخابراتها MI6 من دعم، وتدريب وإنشاء معسكرات تدريب للأنانيا في أرض جنوب السودان.
كان تأثير الكنسية الكاثلوكية عبر هذا المرتزق كبيرة على توجهات ورؤى قيادات التمرد في جنوب السودان، و خير مثال على ذلك تبنى الأنانيا مقولات الكاردنيال برنارد مطران أمستردام ومنها قوله (ظل المسلمون في شمال السودان يحاولون عبر سنين طرد الأفارقة أصحاب الأرض الأصليين من الجنوب والذين يعتنقون المسيحية).
وقد كان من أهم ما قام به إشتاينر من أعمال في علاقته مع الأنانيا هو توحيد فصائل التمرد في جنوب السودان تحت قيادة واحدة، حيث أصبح جوزيف لاقو قائدًا لها عقب مؤتمر للحركة عقد في كمبالا برعاية وإشراف الكنيسة الكاثوليكية، وقد عمل رولف على إقامة مناطق للأنانيا في الحدود بين السودان و أوغندا، وقد أصبحت تهدد الأمن الأوغندي مما دفع الرئيس الأوغندي آنذاك (ملتون أبوتي) إلى اعتقال المرتزق الكاثلوكي إشتاينر وتسليمه للحكومة السوادنية لمحاكمته في الخرطوم.
كان اعتقال المرتزق إشتاينر ضربة قاضية لأجهزة المخابرات في الدول الغربية وإسرائيل وللكنيسة ولحركة التمرد، وبناء على ذلك يتضح من السرد أن التآمر على السودان كان وما زال تتحكم فيه أطراف أجنبية عديدة، إلا أن الثالوث الأبرز فيه الكنيسة، والصهيونية والمخابرات الغربية تظل هي الأكثر حضورًا وأثرًا.
كما أن ظاهرة المرتزقة الأجانب ما زالت السمة الأبرز لحرب ميلشيا الدعم السريع التي نعانى منها الآن تجد أصلها العميق في إشتاينر و غيره من المرتزقة الأجانب.
نقول في النهاية أن الغوص في التاريخ وتتدبر الحاضر ربما ساعد على صياغة مستقبل زاهر للسودان يصنعه أبناؤه دون إفراط أو تفريط.


