Popular Now

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. لا للحرب… كيف أُفرغت الانتصارات من معناها؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

التطبيع تحت النار: سياسات نتنياهو وتهديد استقرار المنطقة .. بقلم: د. عبدالناصر سلم حامد ..باحث في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب مدير برنامج شرق أفريقيا والسودان – مركز فوكس للأبحاث “السويد”

من غزة إلى الدوحة، الردع الإسرائيلي يفتح جبهات جديدة ويضع معاهدات السلام والتطبيع في مهب الانهيار.

هل يمكن لمعاهدات السلام أن تصمد بينما تتحول غزة إلى أنقاض وتُقصف الدوحة في وضح النهار؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه مع تصاعد سياسات الردع الإسرائيلية وتآكل رهانات التطبيع. فمنذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1979، لم تواجه العلاقات العربية–الإسرائيلية اختبارًا أكثر قسوة. الحرب الأخيرة على غزة خلّفت أكثر من 64 ألف قتيل حتى 10 سبتمبر/أيلول 2025 بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، ودمّرت نحو 66% من مباني القطاع وفق صور الأقمار الصناعية لبرنامج UNOSAT. وزاد المشهد تعقيدًا مع امتداد الضربات الإسرائيلية إلى دمشق في يوليو/تموز 2025، ثم إلى قلب الدوحة في سبتمبر/أيلول، في قصف وصفته قطر بأنه “انتهاك صارخ للقانون الدولي” وغير مسبوق في تاريخ المنطقة.

لأعوام، قيل إن القضية الفلسطينية فقدت مركزيتها، وإن قطار التطبيع انطلق ولن يتوقف. لكن غزة بدّدت هذه المقولة. صور الأطفال تحت الأنقاض والمستشفيات المدمرة أعادت فلسطين إلى قلب الوعي الجمعي العربي. خرجت مظاهرات حاشدة في عمان والرباط والقاهرة والخرطوم، وأظهر استطلاع الباروميتر العربي أن دعم التطبيع لم يتجاوز 13% في أي بلد شمله المسح 2023–2024. هذه الأرقام تكشف أن أي حكومة عربية تسعى للتقارب مع إسرائيل تواجه كلفة سياسية داخلية باهظة.

حتى الدول التي راهنت على “السلام الاقتصادي” وجدت نفسها في مأزق. الإمارات، التي بلغ إجمالي تجارتها مع إسرائيل نحو 6.4 مليارات دولار بين 2021 و2024، وحوالي 3.2 مليار في 2024 وحده وفق بيانات UN Comtrade، أبقت على التعاون الاقتصادي لكنها قللت من الظهور السياسي العلني. أما السعودية، التي كانت على وشك توقيع اتفاق وصفه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن بأنه “هدف إستراتيجي للولايات المتحدة”، فقد جمّدت المفاوضات وأكدت أن أي تقارب مرهون بوقف معاناة الفلسطينيين. في المقابل، قدّر تقرير مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تبلغ 53 مليار دولار، منها نحو 20 مليار خلال السنوات الثلاث الأولى، وهو ما يوضح عمق الفجوة بين أرباح التطبيع المحدودة وكلفة الحرب الهائلة.

لكن جذور هذا المأزق لا تنفصل عن مرحلة إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب (2017–2021)، التي دشنت نهجًا يقوم على تجاوز القضية الفلسطينية مقابل تعظيم التعاون مع إسرائيل. ففي عهده نُقلت السفارة الأميركية إلى القدس في مايو/أيار 2018، واعترف بسيادة إسرائيل على الجولان المحتل في مارس/آذار 2019، وأُعلنت “صفقة القرن” في يناير/كانون الثاني 2020، بينما رعت واشنطن في سبتمبر/أيلول من العام نفسه توقيع اتفاقات إبراهام مع الإمارات والبحرين، ولحقت بهما لاحقًا السودان والمغرب. هذا الإرث جعل التطبيع يبدو وكأنه بديل عن الحل السياسي، ومهّد الطريق لسياسات نتنياهو الحالية التي تمزج بين الردع العسكري والتطبيع الانتقائي.

المشهد لم يتوقف عند غزة. ففي دمشق، كثفت إسرائيل استهداف مطارات ومخازن سلاح تقول إنها مرتبطة بإيران، ما عزز صورتها كقوة تتصرف بلا قيود سيادية. أما في قطر، فكان القصف سابقة غير مسبوقة. فالدوحة، التي طالما لعبت دور الوسيط، وجدت نفسها هدفًا مباشرًا. وقالت الخارجية القطرية: “هذا الاعتداء غير المبرر يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي ويعرض استقرار المنطقة للخطر”. وفي المقابل، نقلت صحيفة هآرتس عن مسؤول إسرائيلي قوله: “كل من يموّل أو يسهّل دعم حماس ليس بمنأى عن الرد”. الرسالة واضحة: حتى الوساطة لا تحمي.

يمكن تلخيص سياسة نتنياهو في “عقيدة جديدة” تقوم على ركيزتين: تسويق إسرائيل كشريك اقتصادي عبر التطبيع، وفرض وقائع عسكرية بالقوة. هذه المعادلة جعلت إسرائيل تبدو كقوة مهيمنة لا كشريك سلام. داخليًا، يواجه نتنياهو أزمات قضائية متفاقمة واحتجاجات واسعة على تعديلاته القضائية، فضلًا عن انقسامات متزايدة بين اليمين المتطرف والمؤسسة العسكرية. هذه الأزمات قلّصت شرعيته الداخلية، ما دفعه لتوظيف الملفات الخارجية لتعزيز صورته أمام جمهوره، لكنه بذلك حوّل إسرائيل إلى مصدر اضطراب إقليمي مزمن.

حتى اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل لم تسلم من الارتدادات. فمنذ 2024، رفعت القاهرة حالة التأهب على حدود غزة أكثر من مرة، وأكدت رسميًا أن “ترحيل الفلسطينيين إلى سيناء خط أحمر لا يمكن تجاوزه”. عزز الجيش المصري وجوده في سيناء تحت غطاء مكافحة الإرهاب، لكن الرسالة كانت موجهة لإسرائيل. وبالنسبة لواشنطن، التي اعتبرت كامب ديفيد حجر الزاوية في إستراتيجيتها الشرق أوسطية، فإن أي اهتزاز في هذه المعاهدة يهدد بنيانها الإقليمي كله. ومع تصاعد الغضب الشعبي في مصر، قد تجد القيادة نفسها مضطرة لتقليص التعاون الأمني تدريجيًا لحماية شرعيتها الداخلية.

الأبعاد العسكرية تزيد من خطورة المشهد. فإسرائيل تواصل الاعتماد على تفوقها النوعي، خصوصًا في مجال الطائرات المسيّرة والدفاع الجوي. في المقابل، طورت إيران وحلفاؤها صواريخ دقيقة ومسيرات هجومية، فيما راكم حزب الله خبرة قتالية واسعة منذ حرب لبنان 2006، التي أظهرت أن الردع الإسرائيلي يمكن أن يُكسر، وأن الحروب قد تُفضي إلى تعزيز قوة الخصوم بدل إضعافهم. واليوم، دخلت دول الخليج بدورها سباق التسلح بشراء أنظمة دفاع جوي متطورة. لكن سياسة الردع الإسرائيلية لم تردع الخصوم، بل دفعت المنطقة إلى سباق تسلح متسارع، يزيد هشاشتها ويقربها من الانفجار. إنها معادلة “ردع متبادل غير مستقر”، حيث يكفي خطأ واحد لإشعال مواجهة إقليمية واسعة.

القانون الدولي بدوره يسلط الضوء على حجم الأزمة. فالمادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن “يمتنع جميع الأعضاء… عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة”. قصف قطر وسوريا يضع إسرائيل في مواجهة مباشرة مع هذا النص. أما في غزة، فقد وصفت تقارير أممية الدمار بأنه “قد يرقى إلى عقاب جماعي”، وهو محظور وفق اتفاقيات جنيف الرابعة. بل إن المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تصنف العقاب الجماعي كجريمة حرب، بينما ينطبق مفهوم “جريمة العدوان” على استهداف دول ذات سيادة خارج سياق دفاع مشروع عن النفس. وإلى جانب ذلك، يمكن لمحكمة العدل الدولية (ICJ) أن تستند إلى سوابق تاريخية — مثل قضية ناميبيا ضد جنوب إفريقيا — للربط بين الاحتلال وسياسات التمييز، وهو ما يفتح الباب أمام قياس قانوني مباشر على الحالة الفلسطينية.

اقتصاديًا، لم يتحقق الوعد أيضًا. صحيح أن التجارة بين الإمارات وإسرائيل تجاوزت 6 مليارات دولار منذ 2021، لكن هذه المكاسب اقتصرت على قطاعات ضيقة ولم يشعر بها المواطن العادي. في المقابل، يُقدّر البنك الدولي أن احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في غزة تبلغ 53 مليار دولار، أي ما يفوق بأضعاف المكاسب الاقتصادية للتطبيع. المعادلة إذن مختلة: أرباح محدودة للنخب مقابل كلفة سياسية واجتماعية ضخمة.

الوعي الجمعي العربي تغيّر كذلك. غزة مثّلت لحظة فارقة أعادت بناء التضامن العربي، وأصبحت فلسطين معيارًا لشرعية الأنظمة أمام شعوبها. الصور القادمة من القطاع خلقت أثرًا نفسيًا عميقًا أعاد تعريف الهوية والكرامة في المخيال العربي، وأثبتت أن فلسطين ليست قضية حدود بل قضية وجود وهوية.

دوليًا، واصلت إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب دعمها المطلق لإسرائيل، إذ تبنّت موقفًا أكثر تشددًا من إدارة الرئيس السابق جو بايدن (2021–2025). بايدن واجه ضغوطًا داخلية من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، بينما جاء ترامب في ولايته الثانية أكثر انسجامًا مع حكومة نتنياهو، معتبرًا التطبيع مع السعودية “أولوية إستراتيجية”.

هذه اللوحة المعقدة تفتح الباب أمام عدة سيناريوهات: استمرار الجمود مع تعاون اقتصادي بارد على غرار ما حدث بين الأردن وإسرائيل منذ 1994؛ أو تطبيع مشروط بإعادة إعمار غزة؛ أو انفجار إقليمي إذا استُدرجت مصر أو الأردن إلى مواجهة حدودية؛ أو إعادة هيكلة إقليمية ببروز محور (تركيا–قطر–إيران) في مواجهة محور التطبيع؛ أو وساطة دولية جديدة تجعل التطبيع أداة ضغط لإطلاق عملية سياسية حقيقية.

الخلاصة أن مشروع “التطبيع بلا ثمن” لم يعد قابلًا للاستمرار. سياسات نتنياهو، التي جمعت بين توسيع التطبيع والردع العسكري، لم تُنتج استقرارًا بل ساهمت في زعزعة المنطقة، ووضعت حتى أقدم اتفاقيات السلام تحت ضغط غير مسبوق. ما لم يقترن أي مسار سياسي بعدالة حقيقية، فإن التطبيع سيبقى مشروعًا هشًا محكومًا بالفشل، بينما ستظل المنطقة عالقة في دوامة حروب متجددة، يربح فيها من يملك السلاح لا من يملك الشرعية.

المقالة السابقة

قراءة إستراتيجية حول استبيان مركز الخبراء العرب بشأن إعلان حكومة (تأسيس) في السودان .. بقلم/ زهير عبدالله مساعد

المقالة التالية

رسالة إلى القائد/ البرهان و إلى الأستاذ / خالد الإعيسر … “حول أثر نزوح وهجرة السودانيين إلى مصر وبعض دول الجوار ودول الخليج الأخرى” .. بقلم/ د. بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *