لم يعد المشهد السوداني معزولًا عن الحسابات الإقليمية، بل بات جزءًا من لوحة صراع أوسع تتحرك فيها القوى المجاورة وفق مصالح استراتيجية تتجاوز حدود السودان. وفي قلب هذه المعادلة يبرز الدور الإثيوبي بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة للجدل، مع تصاعد اتهامات وتحليلات تشير إلى أن أديس أبابا لا تراقب الحرب فقط، بل تستثمر في مساراتها.
أولًا: الاتهامات… دعم غير مباشر وتكتيك استراتيجي
تدور تحليلات سياسية حول أن إثيوبيا ترى في حالة الانقسام السوداني فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى على حدودها الغربية. ويرى أصحاب هذا الطرح أن إضعاف الدولة المركزية في الخرطوم قد يمنح أديس أبابا مساحة أوسع للتحرك في ملفات حساسة، خصوصًا في مناطق التماس مثل النيل الأزرق.
المنطق الاستراتيجي وراء هذه القراءة يقوم على قاعدة معروفة في علم الجيوبوليتيك: الدول تستثمر في هشاشة جيرانها عندما تتقاطع تلك الهشاشة مع مصالحها القومية. لذلك فإن أي نفوذ غير مباشر داخل مناطق حدودية مضطربة يمكن أن يتحول إلى أداة ضغط طويلة الأمد.
ثانيًا: خطاب النيل… دبلوماسية الماء أم سياسة القوة؟
تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد حول نهر النيل لم تُقرأ في السياق الفني لإدارة الموارد المائية فحسب، بل في إطار رسائل سياسية موجهة لدول المصب، وعلى رأسها السودان. فالمياه في الاستراتيجية الإثيوبية ليست موردًا اقتصاديًا فقط، بل عنصرًا من عناصر النفوذ السيادي.
ويشير توقيت الخطاب إلى دلالة سياسية مهمة؛ إذ يأتي في لحظة انشغال الخرطوم بصراعها الداخلي، ما قد يحد من قدرتها على المناورة الدبلوماسية في ملف المياه، ويمنح أديس أبابا فرصة لتعزيز موقعها التفاوضي.
ثالثًا: البحر الأحمر… البعد الذي لا يُقال صراحة
تنامي الحديث عن طموحات إثيوبية مرتبطة بالوصول إلى البحر الأحمر يضيف بعدًا جديدًا لفهم سلوكها الإقليمي. فالدولة الحبيسة التي فقدت منفذها البحري منذ استقلال إريتريا لا تخفي رغبتها في امتلاك موطئ قدم بحري، سواء عبر اتفاقات شراكة أو ترتيبات أمنية.
من هذا المنظور، يصبح السودان – بموقعه الساحلي وحدوده الطويلة مع إثيوبيا – عنصرًا محوريًا في الحسابات الاستراتيجية الإثيوبية، لا مجرد جار جغرافي.
رابعًا: القراءة الإقليمية… قلق يتجاوز السودان
تحذيرات خبراء إقليميين من تحركات أديس أبابا تعكس مخاوف من أن تتحول الأزمة السودانية إلى ساحة إعادة توزيع نفوذ. فاستمرار الحرب يعني تآكل قدرة الدولة السودانية على ضبط حدودها، وهو ما قد يسمح لقوى خارجية ببناء شبكات تأثير سياسية أو أمنية داخل المناطق الحدودية.
هذه القراءة تضع الصراع في إطار أوسع: ليس مجرد حرب داخلية، بل سباق إقليمي صامت لملء الفراغ.
خلاصة المشهد: حين تصبح الحرب فرصة للآخرين
تكشف المعطيات أن الحرب في السودان لم تعد شأناً داخليًا صرفًا، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات المياه والحدود والممرات البحرية. وفي هذا السياق، يبدو أن بعض القوى الإقليمية تنظر إلى الأزمة باعتبارها نافذة استراتيجية لإعادة تشكيل التوازنات.
النتيجة الأهم أن مستقبل السودان لن تحدده فقط نتائج المعارك على الأرض، بل أيضًا قدرة الدولة على إدارة الضغوط الخارجية ومنع تحويل أزمتها إلى ورقة في صراعات الآخرين.
الحرب على السودان (68) .. إثيوبيا بين نار الصراع السوداني ومياه النيل .. كيف تحوّل النزاع الداخلي إلى ورقة جيوسياسية إقليمية؟ .. بقلم/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود
المقالة السابقة


