Popular Now

وجه الحقيقة | حكومة إدريس… بين الدولة و الفوضى .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

السودان بين خريطة برنارد لويس والعقيدة الإسرائيلية للأمن الإقليمي .. قراءة في استراتيجية تفكيك المراكز العربية الكبرى وإضعاف السودان الموحّد .. بقلم/ م. مصعب الهادي عبد الله_ لندن

منذ لحظة استقلاله عام 1956، شكَّل السودان حالة استثنائية في معادلة الجغرافيا السياسية. هذا البلد الذي كان حتى عام 2011 الأكبر مساحة في القارة الأفريقية، يمتلك ثروة مائية وزراعية ومعدنية قلّ نظيرها، وتنوعًا بشريًا وثقافيًا يجعله في موقع يسمح له بلعب دور القوة الإقليمية المؤثرة بين المجالين العربي والإفريقي. غير أن هذه المزايا ذاتها كانت سببًا في أن يصبح موضع مراقبة وتوجّس من القوى الإقليمية والدولية التي رأت في السودان الموحّد عنصرًا قد يغيّر موازين النفوذ في البحر الأحمر وشرق أفريقيا.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، طرح المؤرخ الأمريكي البريطاني برنارد لويس، الذي كان مقرّبًا من دوائر صنع القرار في واشنطن خلال عهد ريغان، تصوراته لتشكيل ما سمّاه “الشرق الأوسط الكبير”. وفي أوراق تداولتها المؤسسات الأكاديمية والاستخباراتية، شدّد لويس على ضرورة تفتيت الدول ذات البُنى المتعددة عرقيًا ودينيًا إلى كيانات صغيرة يسهل التحكم فيها، وذكر السودان كنموذج نموذجي للتقسيم إلى أربع وحدات: جنوب مسيحي/أفريقي، ودارفور ككيان “إفريقي-إسلامي”، وشرق متصل بالبحر الأحمر والتجارة، وشمال عربي-نيلي. ورغم أنها لم تكن خطة تنفيذية معلنة فإن هذه الرؤية تكاملت لاحقًا مع توجهات بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية. وقد أشار الجنرال ويسلي كلارك في مذكراته “Winning Modern Wars” إلى مناقشات داخل البنتاغون عام 2001 حول “إعادة تشكيل الشرق الأوسط في سبع سنوات”، وكان السودان حاضرًا ضمنها.

من الجانب الإسرائيلي، تبنّت تل أبيب منذ الخمسينيات ما عرف بعقيدة “شدّ الأطراف” التي طرحها دافيد بن غوريون، وتهدف إلى محاصرة الدول العربية الكبرى عبر التحالف مع دول أو جماعات غير عربية. وقد شمل ذلك إقامة علاقات استخباراتية وعسكرية مع إثيوبيا وتركيا وإيران قبل الثورة، ثم الانخراط في جنوب السودان. وتشير وثائق نشرها الباحث الإسرائيلي إلياهو سالومون إلى أن الموساد أنشأ قنوات اتصال ودعم لحركات التمرّد الجنوبية عبر إثيوبيا وأوغندا، ضمن عملية عُرفت لاحقًا في الأرشيف الإسرائيلي باسم “نيلوس”. وفي شهادة لعميل الموساد السابق أريك بن مناحيم في صحيفة “معاريف” عام 1999، ورد أن إسرائيل رأت في جنوب السودان بوابة لإضعاف الخرطوم ومضايقة مصر من الجنوب.

على الصعيد السوداني، كان الوعي بهذه التحركات حاضرًا في وقت مبكر؛ فرئيس الوزراء عبد الله خليل حذّر عام 1957 من النشاط الإسرائيلي في إفريقيا ورفع تقارير لمصر عن “الدبلوماسية المموّهة بالمساعدات”. وفي عهد جعفر نميري بقيت العلاقة متوترة بسبب دعم إسرائيل للمتمردين، رغم تعاونه لاحقًا في عملية “موسى” لتهجير يهود الفلاشا، ما يعكس تعقيد المصالح الإقليمية. وتُظهر وثائق بريطانية من 1982 أن إسرائيل قدمت مساعدات استخباراتية محدودة للمعارضة الجنوبية مقابل معلومات عن تحركات قوات القذافي في دارفور.

وفي رؤية الأمن القومي الإسرائيلي، ظل السودان ملفًا دائم الحضور، خاصة في سياق أمن البحر الأحمر. وقد أشار إفرايم إنبار في دراسة صادرة عام 2012 عن مركز بيغن–السادات إلى أن وجود حكومة قوية ومعادية في السودان “قد يهدد المصالح الإسرائيلية المباشرة في البحر الأحمر”. أما وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشيه يعلون فقد صرّح عام 2014 بأن استعادة السودان لعافيته ووحدته قد تجدد نفوذ إيران على الممرات البحرية، وهو ما تعتبره تل أبيب خطًا أحمر.

بعد انفصال الجنوب عام 2011، فقد السودان جزءًا من موارده الحيوية واتسعت أزماته الاقتصادية والسياسية، ما جعل البيئة الداخلية أكثر هشاشة. وفي هذه الفترة بدأت إسرائيل، وفق تقارير “جيروزالم بوست” عام 2017، تنسج علاقات غير رسمية مع النخب الجديدة، لا بهدف تمكين السودان، بل بهدف تحييده وضمان عدم تحوله إلى قوة معطلة لمصالحها في البحر الأحمر. وقد أكد وزير المخابرات الإسرائيلي إيلي كوهين عام 2020 أن السودان يمثل “موقعًا حساسًا واستراتيجيًا” في معادلة الأمن البحري الإسرائيلي.

ومع اندلاع الحرب الحالية برزت تحليلات حول تدخلات خارجية. مثل تقارير “Conflict Armament Research بل إن المعلّق الأمني يوسي ميلمان كتب في “هآرتس” أن تل أبيب تنظر إلى انقسام السودان بوصفه فرصة لتقليل التهديدات.

يتضح من هذا المسار أن إسرائيل تعتمد خطة غير معلنة لتقسيم السودان، و أنها تعاملت معه دائمًا ضمن معادلة: “منع نهوض دولة قوية جنوب العالم العربي-الإفريقي”. أما خريطة برنارد لويس فقد قدّمت الإطار النظري لفكرة أن استقرار الشرق الأوسط ـ في المنظور الغربي ـ لا يأتي من الوحدة، بل من تجزئة القوى الكبرى. وتقاطُع هذا المنظور مع العقيدة الإسرائيلية للأمن الإقليمي خلق بيئة ساهمت في إضعاف السودان وتعميق هشاشته الداخلية، ما جعل واقعه الحالي نتيجة تراكمات خارجية وداخلية معًا.

إن مستقبل السودان لا يُحسم في عواصم القرار الدولية، بل بصناعة مشروع وطني يستعيد وحدة الإرادة ويحصّن الجبهة الداخلية. فالوحدة السياسية ليست منحة أجنبية، بل خيار شعوب تقاوم التفكيك وتؤمن بأن بلادها قوة ربط بين العرب وإفريقيا. ووعي هذه التحديات يجب أن يكون مدخلًا لبناء استراتيجية سودانية جديدة تعيد للسودان وزنه ودوره في محيطه.

المراجع
• Bernard Lewis, The Middle East and the West, Oxford University Press, 1980
• Wesley K. Clark, Winning Modern Wars, PublicAffairs, 2003
• Eli Salem, Israel’s Foreign Policy: The First Fifty Years
• Efraim Inbar, Strategic Assessment of the Red Sea Region, BESA Center, 2012
• Yossi Melman, “Israel and the Sudan Crisis”, Haaretz, 2023
• Foreign Office Archives (UK), FO 371/1982
• Conflict Armament Research (CAR) Reports, 2023–2024
• Human Rights Watch, Arms Flows in Sudan’s Civil War, 2024

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |البرلمان الغائب ومأزق الوصاية الدولية..! ..بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

سرّ النهضة الرقمية: تأملات في هندسة مجتمع المعرفة وتمكين الإنسان .. بقلم/ د. عمر محمد المبارك سعد

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *