Popular Now

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ احمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة صفقات ترامب (الحلقة السادسة) .. أفريقيا في قلب القسمة الكبرى: من انحسار أوروبا إلى صعود الصين وروسيا .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

السودان… حين يتحول وطن عظيم إلى ملف في جيب (سمسار) .. بقلم/ بكري يوسف البر

(ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)
[ آل عمران 139]
لم أشعر يومًا أن السوداني ينكسر، مهما ضاقت به السبل ومهما تكسرت الطرق تحت قدميه.
لكن جاءت لحظة رأيت فيها صورة الوطن تتعرّى أمام العالم، حين أصبح السودان البلد الذي شق التاريخ قبل أن تخلق خرائط السياسة الحديثة، مادة في تصريحات رجل لا يرى العالم إلا كعقارات قابلة للبيع. وقديمًا قال أحمد مطر: “الناس جنسان، إنسٌ وأمريكان”.

مؤلم حد العظم أن يقف سمسار عقارات، ويسند ملف بلد كامل إلى صهر يتدرب على فن التفاوض فوق جراحنا المفتوحة. مؤلم أن يتحول تاريخ عمره آلاف السنين إلى “مشروع تدريب” لتاجر خردة لم يسمع يومًا بالإمام المهدي، وعثمان دقنة، ولا يعرف أن (خور أبوعنجة) يعود للعصر الحجري 8000 قبل الميلاد، وأن موقع مستشفى الخرطوم يرجع إلى العصر الحجري 6000 قبل الميلاد، هنالك سكن إنسانه في أكواخ على ضفاف النيل، ولا يدرك معنى أن تكون الأرض نفسها كتابًا مفتوحًا من حضارة كوش إلى الممالك الإسلامية.
أي انحدار هذا؟ وأي زمان سمح لنا أن نبدو بهذه الوضاعة؟

الوجع الحقيقي ليس في كلمات ترامب ولا غيره، الوجع في أننا صرنا نقدم أنفسنا للعالم على طبق من الضعف.
صرنا ملعبًا بين جهلة الخارج، وجهلة الداخل.
صارت بلادنا الواسعة ساحة تصفية حسابات، ومختبرًا لتجارب سياسية وأمنية لا تساوي عند أصحابها شربة ماء.
والأدهى… أن من يسمعون تلك التصريحات من الخارج لا يرون مبالغة فيها، لأن الصورة التي نظهرها لهم باتت أقرب للانفلات والانهيار منها للدولة القائمة بذاتها، دولة أصيبت بالجنون.

نحن اليوم لا نعاني من احتقار الآخرين… ولكننا نعاني من أننا قدمنا لهم كل ما يحتاجونه ليحتقرونا.
فاي دولة تحترم حين تتقاسمها الميلشيات، ويدار قرارها عبر الوسائط، وتمول حروبها من الخارج بعد نهب مواردنا، ويتحول شعبها إلى نازحين، وجثث وأشلاء على الطرقات، وتأكل الكلاب الضالة الجثث وتنهش لحم تاريخنا الخالد في الآباء، ويموت الأطفال، ومن لم يقتل يعيش مشوهًا نفسيًا، يلعب بفوارغ الرصاص وبقايا مسيرات فاجرة!!

وأي وطن يُهاب حين يختلف أبناؤه على البديهيات ويتصارعون على الرماد بدل أن يطفئوا النار؟

وطني شقيت بشيبه و شبابه
زمن سقاك السُم من أكوابه
أسلموك إلى الخراب ضحية
و اليوم هل طربوا لصوت غرابه
وطن يعبث به العدو و لا ترى
عن دافع عن حوضه و رحابه
لو تطهر السودان من دخلائه
لتطهر السودان من أوشابه
لهفي علي السودان من دخلائه
لهفي علي السودان من أحزابه

نحن لسنا ضحايا تصريحات ترامب…
نحن ضحايا ما فعلناه بأنفسنا.
ضحية غياب المشروع الوطني الكبير الذي يلم الناس.
ضحية النخب التي لا تتفق إلا على الاختلاف.
ضحية الحرب التي مسحت الهيبة ومسحت معها حدود الدولة وحلمها.

هل التي تعممت أرجلنا؟
أم الرؤوس انتعلت أحذية؟
هل القميص ما نلبس إن كفن
وطن، وطن
كان لنا وطن

عالم عباس

ومع ذلك، فإن السودان ليس جثة في مسلخ التاريخ.
السودان بلد عصي، حتى وهو منكسر.
بلد إن وقف على قدميه ولو مرة واحدة، سيعيد للأرض وللآخرين ذاكرة الاحترام.
لكن ذلك لن يتم إلا إذا وقف السودانيون وحدهم، في لحظة صدق مع النفس، وقالوا كلمتهم:
كفى عبثًا… كفى احترابًا… كفى اختلافًا… كفى ارتهانًا للخارج.

نحن لا نغضب من ترامب، ولكن نغضب لأننا سمحنا لترامب أن يتحدث عنا بهذه السخرية.
وحين نعود إلى أنفسنا، ونعود لبلدنا، ونبني مشروعًا يليق بسوداننا…
ساعتها فقط، سيكتشف العالم إن هذا البلد الذي حسبوه هشّا…
وطن محزم بالعشم… وطن ركيزة… موهوب بسنابل خيرة الدفاقة… ورغم الدروب المبهمة فهو أقوى بكثير مما يظنون، بحقه الأنوف في الحياة، وكان لنا دومًا متكأ انتصار، نأخذه عنوة من فك المحن والمصائب.

وطن عميق لا يموت، قد ينحني، ولكنه لا ينكسر.
وطن ندافع عنه ليس بالكلام والخصام، والتناحر على الكراسي، وتبادل الشتائم، خطاب الكراهية والعنف اللفظي والحديث حول القضايا بعشوائية. لله در مالك بن نبي حين قال:
“لا يسمع شعب ثرثار خطى الوقت الهارب”

يا أهل السودان، رمح المصائب والزمن أصابنا في مقتل، والجرح موجع، وجعلنا فارغين هائمين في أنحاء الأرض. فلننبذ الصراع، فالصراع بات بيننا حالة نفسية، بدلًا من أن يكون صراع عقلاني لخلق حياة أفضل لهذا الشعب الذي يستحق. فلنطهر أنفسنا ونغير الكراهية إلى فعل إيجابي.

حذرنا الشاعر الكبير (محمد سعيد العباسي) قائلًا:
فلو درى القوم بالسودان أين هُمُ
من الشعوب قضوا حزنًا و إشفاقا
جهل و فقر و أحزاب تعبث به
هدت قوى الصبر إرعادًا و إبراقا

رجاء
اتحدوا.. اتحدوا… اتحدوا.

المقالة السابقة

منصة الرباعية “تجويف ثلاثي والرابع لا يرى” .. بقلم/ د.أمينة العريمي

المقالة التالية

كروت جديدة بين ترامب و ابن سلمان بشأن الحرب في السودان .. بقلم/ د . عبد الباقي الشيخ الفادني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *