Popular Now

قانون الاستحواذ العدائي الامريكي والدور الذي تلعبه الامارات العربية المتحدة في حربها بالوكالة ضد السودان .. بقلم/ د. بابكر عبدالله محمد علي

ما بين فاي وباي باي… يكمن جبر الخواطر .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني .. باحث وأكاديمي

وجه الحقيقة | إنقاذ المليشيا أم إنهاء الحرب؟.. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

العدوان على مستريحة وصعود الدولة في لحظة الحسم الاستراتيجي .. بقلم/ د. اسماعيل الناير .. باحث استراتيجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

لم تعد حرب مليشيا الدعم السريع واعوانها من الدول على السودان مجرد اشتباكات متناثرة على أطراف الجغرافيا ، بل تحولت إلى لحظة فارقه يعاد فيها تشكيل موازين القوة من دارفور حتى الحدود مع تشاد، مروراً بمسرح كردفان، وصولاً إلى التخوم الحساسة مع إثيوبيا مع إقليم النيل الأزرق. إنها لحظة استراتيجية تتآكل فيها بنية المليشيا من الداخل، في مقابل تزايد وتيرة المبادرة والسيطرة لدى القوات المسلحة السودانية التي تخوض حرباً مركبة بعقل بارد ونَفَس طويل.
هجوم المليشيا على مستريحة لم يكن عملية عسكرية معزولة، بل كان ضربة في قلب التوازنات الاجتماعية التي قامت عليها النواة الصلبة للمليشيا. فاستهداف معقل الشيخ موسى هلال والذى اعلن موقفه الرسمى بانحيازة للحق ومناصرته للدوله و بما يمثله من ثقل رمزي وتاريخي ، لم يفتح فقط جبهة قتال، بل فجّر تناقضاً عميقا داخل الحاضنة العشائرية نفسها. الرجل ليس مجرد زعيم أهلي، بل أحد أعمدة الضبط الاجتماعي داخل منظومة التحالفات القبلية، وضرب مركزه يعني عملياً إلوصول الى مرحلة الا عودة مع فى الصراع مع مليشيا الدعم السريع الباغية . وعندما تتحول البندقية إلى أداة لإعادة ترتيب القيادة التقليدية، فإن النتيجة الحتمية هي انقسام عمودي يضرب صميم القوة التي تستند إليها المليشيا في التجنيد والحشد والسيطرة.
الاصطفاف القبلي الرافض للهجوم، والاشتباكات بين مكونات من ذات البيئة الاجتماعية، ليست أحداثاً معزولة، بل مؤشرات على بداية التفكك الكبير. فالنواة الصلبة للمليشيا التي قامت على رابطة الدم تكتشف الآن أن هذه الرابطة نفسها يمكن أن تتحول إلى ساحة اقتتال. ومع ثقل الجرائم التي وثقتها موجات النزوح من كبكابية والقصف الذي طال المرافق المدنية، فإن الحرب دخلت طور الثأر الاجتماعي المفتوح، وهو طور لا تملك فيه قيادة المليشيا القدرة على الضبط أو الاحتواء.
على الضفة الأخرى من المشهد، فإن القتال على تخوم الحدود مع تشاد يحمل أبعاداً تتجاوز الجغرافيا العسكرية. فالهجوم على الطينة ومحيطها يضع القبائل الممتدة عبر الحدود أمام استدعاء تلقائي لمنطق النصرة، وهو منطق لا يعترف بحدود الدول الحديثة. ومع وجود امتدادات للمحاميد فى تشاد والنيجر، فإن استهداف مستريحة مرشح لأن يتحول إلى حالة استنفار عابرة للحدود، الأمر الذي يهدد بنقل الصراع إلى الداخل التشادي نفسه. وهنا تدخل سلطة محمد إدريس ديبي في مأزق مركب؛ فهي تقف مع وتدعم المليشيا من جهة، ومهددة باضطراب داخلي من جهة أخرى إذا تحركت المكونات القبلية نصرةً لامتداداتها الاجتماعية. إنها معادلة تضع الحلف الإقليمي الداعم للمليشيا – وفي مقدمته دولة الإمارات أمام خيارين أحلاهما مر ، التراجع وخسارة النفوذ، أو الاستمرار والمخاطرة بتفجير فضاء الساحل والصحراء بصراع قبلي عابر للحدود.
في مسارح كردفان، تبدو الصورة مختلفة تماماً. فالضربات الدقيقة التي استهدفت تمركزات المليشيا والياتها القتالية تؤكد أن القوات المسلحة والقوات المسانده لها انتقلت إلى مرحلة إدارة المعركة بمنهج الاستنزاف الذكي. حرب تفكيك القدرات لا حرب احتلال المواقع، فيها يتم تقليص حركة المليشيا وحرمانها من المبادرة. وحتى اعمالها التخريبية باستخدام المسيرات التي تضرب بها بعض المدن تبدو مكشوفة ومحاصرة استخبارياً، ما يعكس تفوقاً نوعياً للقوات المسلحة في إدارة الميدان.
أما في النيل الأزرق ، فإن هجمات الطيران المسيّر التي حاولت المليشيا عبرها نقل المعركة إلى فضاء جديد لا تعبر عن قوة بقدر ما تكشف عن أزمة ميدانية خانقة في كردفان ودارفور . إنها محاولة لفتح جبهات بديلة لتخفيف الضغط، لكنها تصطدم بواقع إقليمي معقد تحكمه حسابات الأمن القومي على الحدود مع إثيوبيا، حيث لا مجال لحروب الوكالة أو الفوضى الممتدة.
استراتيجياً، تقاتل المليشيا اليوم بلا عمق ، حواضنها الاجتماعية تتشقق، خطوط إمدادها تضيق
، وقيادتها تواجه صراعاً داخلياً وتكاد تفقد سيطرتها وتحكمها فى مجريات امورها . في المقابل، تراكم القوات المسلحة مكاسبها بهدوء، مستفيده من عامل الزمن ومن تاييد الشعب السودانى ، ومن انتقالها إلى موقع الفعل لا رد الفعل.
المشهد يتجه نحو ثلاثة احتمالات متداخلة: تسارع الانهيار الداخلي للمليشيا بفعل الصراع القبلي ، تصاعد محاولات توسيع الحرب عبر المسيّرات والجبهات الطرفية، أو – وهو الاحتمال الأرجح – نجاح القوات المسلحة في فرض معادلة الحسم عبر الاستنزاف المركّز الذي ينتهي بتفكيك القوة العسكرية للمليشيا لا مجرد هزيمتها ميدانياً.
إنها لحظة إعادة تعريف للدولة السودانية. فالمعركة الممتدة من دارفور حتى النيل الأزرق ليست معركة أرض، بل معركة على احتكار السلاح و بقاء السودان دولة موحدة ذات سيادة وجيش واحد. وكل المؤشرات تقول إن ميزان التاريخ يميل نحو انتصار الدولة السودانية وقواتها المسلحة ، بينما تقف المليشيا أمام مأزق استراتيجي خانق، تحاصرها تناقضاتها الداخلية كما تحاصرها الجغرافيا والنار.

الاربعاء الموافق 25/2/2026

المقالة السابقة

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (3) — النسخة النهائية .. التحالفات الخارجية وتأثيرها المباشر على توقيت نهاية الحرب .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الافريقي

المقالة التالية

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. جارٍ تبديل السردية: إلى حرب قبلية .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *