مثل سقوط مدينة الفاشر – عاصمة ولاية شمال دارفور – حدثاً مفصلياً في مسار الحرب الدائرة في السودان، ليس فقط من حيث الأهمية الجغرافية والعسكرية للمدينة، ولكن أيضاً من حيث رمزية الفاشر بوصفها آخر مركز إداري ظل تحت سيطرة الحكومة في إقليم دارفور. وقد ترتب على سقوطها تحولات استراتيجية في ميزان القوي الميدانية، ومحاولات خارجية متسارعة لإعادة صياغة المشهد الإنساني والسياسي عبر الدفع باتجاه هدنة جديدة تحت ذرائع ” وقف الكارثة الإنسانية ” و ” إنقاذ المدنيين”.
غير أن هذه الدعوات، وإن اتخذت شكلاً إنسانياً، جاءت في واقع الأمر ضمن أجندة سياسية واضحة تهدف إلى منح الدعم السريع فرصة لالتقاط أنفاسها بعد الخسائر التي تكبدتها في عدد من الجبهات، وإعادة تموضعها العسكري والإعلامي بما يخدم محاولاتها المستمرة لتقنين وجودها كقوة أمر واقع، في الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة السودانية تقترب من تحقيق مكاسب حاسمة في الميدان وفي موازين الرأي العام الإقليمي والدولي.
كما أن سقوط الفاشر حمل دلالات رمزية تتجاوز بعدها العسكري، إذ مثل اختباراً حقيقياً لموقف القوي الدولية من وحدة السودان وسيادته، وكشف عن تباين في الخطاب الإنساني بين من يطالب بوقف الحرب لأسباب مبدئية، ومن يوظف الهدنة كأداة سياسية لإعادة هندسة المشهد الداخلي وفق مصالحة.
إن المطالبة بالهدنة بعد سقوط الفاشر لا يمكن فصلها عن السياقات التالية:
التحولات الميدانية: حيث فقدت قوات الدعم السريع السيطرة على مناطق استراتيجية، وتزايد الانقسامات داخل صفوفها، ما دفع القوي الداعمة لها إلى البحث عن وسيلة توقف التدهور المتسارع.
السياق الدولي: برزت ضغوط غربية من الولايات المتحدة وغيرها لإقرار هدنة ” إنسانية “، بينما الهدف غير المعلن كان إيقاف زخم العمليات العسكرية للجيش وتمرير واقع جديد لصالح الدعم السريع.
السياق الإنساني والإعلامي: جري تضخيم الأوضاع الإنسانية في دارفور بصور انتقائية، مع تجاهل الجرائم الواسعة التي ارتكبتها الميلشيا ضد المدنيين في الفاشر ومحيطها. ودوائر الدعم الخارجي للمليشيات قامت بتدوير الحديث عن هدنة، وهو بالضبط ما تطلبه عصابات التمرد نفسها.
من هنا، فإن قراءة المطالبة بالهدنة يجب أن تنطلق من تحليل أهدافها، وفهم كيفية توظيفها كسلاح سياسي لإضعاف الموقف الوطني السوداني، وإرباك مسار الحسم العسكري الذي يمثل الضمانة الوحيدة لاستعادة الدولة وسيادتها.
السياق السياسي والإعلامي للمطالبة بالهدنة
بعد سقوط الفاشر، شهدت الساحة السودانية والدولية تصاعداً في الحملات الإعلامية والسياسية التي ركزت على ضرورة هدنة فورية بحجة حماية المدنيين، بينما كان الهدف الحقيقي يتمثل في إيقاف زخم القوات المسلحة السودانية ومنح الدعم السريع فرصة لإعادة التنظيم.
البُعد السياسي المحلي والإقليمي
حاولت قوي داعمة لقوات الدعم السريع، وبعض الأطراف الإقليمية، تصوير سقوط الفاشر كأزمة إنسانية عاجلة تتطلب تدخلاً سريعاً، بغض النظر عن حقيقة السيطرة العسكرية أو الجرائم المرتكبة.
هذه الدعوات هدفت إلى ضغط الجيش السوداني علي وقف العمليات العسكرية، وفتح قنوات تفاوض تحت شروط مجحفة قد تؤدي إلى تقنين وجود الميلشيا في دارفور، بما يضر بمصالح القوات المسلحة ويضعف سلطة الدولة.
بعض الدول الإقليمية حاولت استغلال اللحظة لممارسة نفوذ سياسي مباشر على الخرطوم، مستغلة الحملة الإعلامية المكثفة لتوجيه الرأي العام الدولي ضد الحسم العسكري.
البُعد الإعلامي
شهدت وسائل الإعلام المحلية والدولية حملات تضليلية ركزت على معاناة المدنيين، دون الإشارة الكاملة إلي دور الدعم السريع في خلق هذه الأوضاع عبر انتهاكات واسعة ضد المدنيين بعد سقوط الفاشر. ويلاحظ أن هذه الحملات الإعلامية تمثل جزءاً من الحرب المعلوماتية التي تستخدم فيها الصور والمحتوي الإنساني كسلاح ناعم لإعادة تشكيل الرأي العام العالمي، وتوجيه الإدراك الجمعي نحو قبول الدعم السريع كطرف شرعي في الحرب، ما يجعل الهدنة في بعدها الإعلامي أداة لتقويض الوعي الوطني أكثر من كونها خطوة إنسانية.
تم استغلال المنصات الاجتماعية لنشر صور ومقاطع مختارة تُظهر الجانب الإنساني فقط، مع تجاهل الجرائم المرتكبة، بهدف إحداث ضغط شعبي ودولي على الحكومة والقوات المسلحة.
الإعلام الداعم للدعم السريع حاول تصوير القوات المسلحة السودانية على أنها المعطل الوحيد لتوصيل المساعدات الإنسانية، في محاولة لتشويه الدور الوطني للأخيرة.
البُعد الدولي
المنظمات الدولية والدول الغربية تبنت خطاباً إنسانياً محايداً، لكنه في الواقع ساهم في تمرير أجندة سياسية تخدم الدعم السريع.
الضغوط الأمريكية المكثفة على الحكومة السودانية لقبول هُدنة تُسوق تحت ذرائع إنسانية، لكتها تخفي وراءها تمريراً ناعماً للأمر الواقع في مسار العمليات تمهيداً لخطوات مستقبلية قد تضر بالمصلحة الوطنية.
الدعوة للهدنة جاءت في وقت حساس، حيث كانت القوات المسلحة تحقق تقدماً ميدانياً حاسماً، ما جعل الهدنة تُستخدم كأداة لإيقاف هذا الزخم العسكري.
تحليل الوضع:
أي قبول لهدنة في هذا التوقيت سيكون مكلفاً استراتيجياً لأنه يمنح الميلشيا فرصة لإعادة الانتشار وتجميع الدعم اللوجستي والسياسي، واستغلال الهدنة لتقوية موقفها التفاوضي مستقبلاً.
الرفض المدروس لأي هدنة في المرحلة يمثل الخيار الاستراتيجي الأكثر حماية لمكتسبات الجيش والمصلحة الوطنية، مع استغلال الأطر الدبلوماسية لإظهار حرص السودان على الجانب الإنساني دون التنازل عن مكاسبه الميدانية.
دوافع المجتمع الدولي والإقليمي لطرح الهدنة بعد سقوط الفاشر
الدوافع الدولية
تسعي القوي الغربية، وعلي رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي إلى إبطاء مسار الحسم العسكري الذي حقق فيه الجيش السوداني تقدماً ميدانياً واضحاً، خشية أن يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في موازين القوي داخل السودان. كما تهدف هذه القوي إلى فرض شروط سياسية على الحكومة السودانية عبر فتح قنوات تفاوضية تحت غطاء الهدنة الإنسانية، وهو ما قد يسمح لها بالتدخل في رسم ملامح الترتيبات السياسية اللاحقة للحرب وتقليص دور القوات المسلحة في إدارة مناطق النزاع. إلى جانب ذلك، تمثل الهدنة وسيلة لإضفاء شرعية سياسية غير مباشرة على ميلشيا الدعم السريع عبر تقديمها كطرف فاعل في مفاوضات إنسانية، رغم تورطها في جرائم الحرب وانتهاكات جسيمة ضد المدنيين في الفاشر.
ويأتي هذا التوجه متسقاً مع نمط السياسة الأمريكية في إدارة الأزمات الأفريقية، حيث يتم توظيف الهدنة المؤقتة كوسائل للضغط السياسي وإعادة ترتيب موازين القوي الداخلية بما يخدم مصالح واشنطن الاستراتيجية، لاسيما في المناطق الغنية بالموارد أو ذات المواقع الجيوسياسية الحساسة مثل دارفور.
الدوافع الإقليمية
على المستوي الإقليمي، تري بعض الدول المجاورة في الهدنة فرصة لتوسيع نفوذها داخل إقليم دارفور واستثمار حالة الفوضى لصالح مشاريعها الاقتصادية والسياسية، كما تعمل قوي إقليمية أخري على إبقاء الإقليم في حالة ركود عسكري وسياسي بما يتيح لها ترتيب تحالفات غير رسمية مع قوات الدعم السريع دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الحكومة السودانية. هذه التحركات غالباً ما تُدعم بغطاء لوجستي وإعلامي يهدف إلى تشجيع حميدتي على الصمود في وجه الجيش الوطني واستغلال أي هدنة لتعزيز قدراتها التنظيمية والعسكرية.
التوظيف السياسي للهدنة
تُستخدم فكرة الهدنة، رغم طابعها الإنساني الظاهري كأداة سياسية لإضعاف القوات المسلحة واستنزاف زخمها العملياتي، إذ يمنح أي توقف للعمليات الميدانية فرصة لقوات الدعم السريع لإعادة التموضع، وتنظيم صفوفها، واستقطاب الدعم الدولي والإقليمي من جديد. وبذلك تتحول الهدنة إلي وسيلة لتمديد عمر الحرب وتعطيل الحسم، ما يتيح للميلشيا إعادة ترتيب نفسها وإعادة تدوير خطابها الإعلامي والسياسي على أنها طرف تفاوضي شرعي.
الخلاصة التحليلية
إن المطالبة بالهدنة بعد سقوط الفاشر لا تعبر عن استجابة خالصة للاعتبارات الإنسانية، بل تمثل تدخلاً سياسياً مباشراً ضد الدولة السودانية ومحاولة لإعادة توازن القوي لصالح الميلشيا. ومن ثم فإن موقف القوات المسلحة الرفض للهدنة في هذه المرحلة هو موقف وطني محسوب يهدف إلى حماية مكتسباتها العسكرية والحفاظ على سيادة الدولة ومنع فرض واقع ميداني مشوه يخدم مصالح خارجية.
مخاطر الهدنة الإنسانية في ظل وجود الدعم السريع
إعادة الانتشار العسكري للدعم السريع: توقف العمليات العسكرية يمنح الميلشيا فرصة لإعادة انتشار قواتها في مواقع استراتيجية، بما يشمل نقاط الحصار ومناطق الإمداد.
تعزيز الشرعية السياسية والإعلامية للميلشيا: تصويرها كطرف مسؤول يمنحها غطاء سياسي وإعلامي، ويضر بمكانة القوات المسلحة.
تهديد الاستقرار الداخلي: أي هدنة مقبولة دون شروط واضحة قد تؤدي إلى عمليات قمع أو تهجير أو تهجير إضافية، وزيادة حالات النزوح.
الأضرار بالجهود العسكرية: يتيح لقوات الدعم السريع تجهيز نفسها بعتاد جديد، ما يزيد حجم الخسائر المحتملة ويطيل أمد الحرب.
الخلاصة التحليلية: الهدنة تشكل خطراً مزدوجاً أمنياً على الأرض، وسياسياً على المستوي الدولي والإقليمي، ورفضها يمثل الخيار الاستراتيجي الأمثل للقوات المسلحة.
التحركات الدبلوماسية المقترحة لدعم موقف الدولة والقوات المسلحة
صياغة خطاب دولي واضح: التأكد على حماية المدنيين دون إعاقة العمليات العسكرية، وفضح أي محاولات لتوظيف الهدنة لمصلحة الطرف الآخر.
التفاعل الاستراتيجي مع المنظمات الدولية: ضمان وصول المساعدات الإنسانية تحت إشراف القوات المسلحة، ومنع الدعم السريع من استغلالها.
التنسيق الإقليمي الذكي: بناء تحالفات مع دول مجاورة تدرك أهمية استمرار العمليات العسكرية لاستقرار دارفور.
المبادرة الوطنية للجانب الإنساني: على الحكومة السودانية أن تطلق مبادرة وطنية شاملة لإدارة الملف الإنساني، تُظهر التزام الدولة بحماية المدنيين، وتضع الإشراف الإنساني في يد مؤسسات وطنية بالتعاون مع شركاء دوليين محايدين، مما يقلل من الضغوط الغربية ويعزز صورة السودان كدولة مسؤولة أمام المجتمع الدولي.
استخدام الإعلام الوطني والدولي: كشف الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع وإبراز دور الجيش في حماية المدنيين.
التفاوض المشروط والمتدرج: أي هدنة مستقبلية يجب أن تكون مشروطة، محددة بالزمن والشرط الميداني، وتحت إشراف القوات المسلحة.
الخلاصة التحليلية: الجمع بين الحزم العسكري والدبلوماسية الذكية يضمن الحفاظ على المكتسبات الميدانية ويحول دون منح قوات الدعم السريع فرصة لتعزيز موقعها.
الخاتمة
يظهر بوضوح أن المطالبة بالهدنة بعد سقوط الفاشر ليست مجرد خطوة إنسانية، بل هي محاولة مدروسة لإعادة توازن القوي لصالح الدعم السريع، مع وجود ضغوط أمريكية مكثفة لدفع الحكومة السودانية للقبول بها تحت ذرائع إنسانية، بينما تخفي وراءها تمريراً ناعماً للأمر الواقع في مسار العمليات.
من هذا المنطلق، يمثل الحفاظ على موقف القوات المسلحة ورفض أي هدنة غير مشروطة الخيار الاستراتيجي الأضمن لحماية السيادة الوطنية، وتأمين مكتسبات الجيش، وإيصال رسالة واضحة للمجتمع الدولي بأن السودان ملتزم بالجانب الإنساني دون التفريط في حقوقه ومصالحة الوطنية. فالحفاظ على السيادة لا يتناقض مع الالتزام الإنساني، بل يشكل أساسه الحقيقي، إذ لا يمكن حماية المدنيين أو ضمان وصول المساعدات دون دولة قوية قادرة على بسط الأمن وفرض القانون. ومن هنا، فإن تمسك السودان بوقفه الوطني هو في جوهره دفاع عن كرامة الإنسان السوداني وحقه في الأمن والاستقرار.
التوصيات
رفض أي هدنة غير مشروطة: الحفاظ على زخم العمليات العسكرية ومنع الدعم السريع من إعادة التموضع.
استثمار الجانب الإنساني: ضمان وصول المساعدات تحت إشراف الجيش، وإبراز التزام القوات المسلحة بالمعايير الإنسانية.
إدارة الضغط الدولي بذكاء: تحويل الدعوات للهدنة إلى فرصة لتوضيح موقف السودان، مع حماية السيادة الوطنية.
استراتيجية إعلامية مدروسة: مواجهة التضليل الإعلامي الدولي والإقليمي الذي يسعى لتشويه دور الجيش وتحويل أي هدنة لصالح الميلشيا، مع تسليط الضوء على الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع بعد سقوط الفاشر ودور القوات المسلحة في حماية المدنيين.
التحضير لأي مفاوضات مستقبلية: في حالة الحاجة إلى تفاوض، يجب أن تكون المفاوضات غي أسس وطنية واضحة، مع بنود تمنع أي استفادة عسكرية أو سياسية لقوات الدعم السريع، وضمان إشراف القوات المسلحة على كل التفاصيل العسكرية واللوجستية لأي اتفاق لضمان حماية الأمن الوطني والمكتسبات الميدانية.

