خطاب رئيس وزراء كندا “مارك كارني” والذي القاه فى مؤتمر دافوس ٢٠٢٦ ويعد من اقوى الخطابات التى ألقيت فى محافل دولية فى السنوات الاخيرة وهو يعد نموذجاً استراتيجياً متكاملاً وواقعياً لدولة متوسطة القوة تواجه تحولاً جيوسياسياً.
لنحلله ثم نستخلص الدروس المستفادة والعبر والخروج بتوصيات لمتخذ القرار السودانى للاستفادة منها؛
جوهر الاستراتيجية الكندية كما وردت في الخطاب:
1. التشخيص الواقعي (لا الإنكار):
· الواقع: النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد يعمل. القوى العظمى تستخدم أدوات العولمة (التجارة، التمويل، سلاسل الإمداد) كأسلحة.
· التوقف عن التظاهر بواقع نظام لم يعد موجوداً.
· الدرس للسودان: أول خطوة نحو استراتيجية واقعية هي تشخيص دقيق لموقعك في النظام العالمي الحالي، وليس كما تتمنى أن يكون. السودان ليس في موقع قوة، بل في موقع ضعف هيكلي يتطلب حركة ذكية.
2. إعادة تعريف “السيادة” في القرن الحادي والعشرين:
· السيادة ليست مجرد علم ونشيد: كما يقول الخطاب، “الدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها، أو تزويد نفسها بالطاقة، أو الدفاع عن نفسها، خياراتها محدودة.”
· السيادة هي المرونة والقدرة على الصمود الاستقلال في الطاقة، الغذاء، المعادن الحيوية، وأمن التمويل.
· الدرس للسودان: بناء سيادة السودان يجب أن يبدأ من الأمن الغذائي والطاقة كأولوية قصوى، قبل أي طموحات سياسية إقليمية كبرى. بدون هذا الأساس، تظل القرارات خاضعة لابتزاز القوى الكبرى والمجتمع الدولي.
3. استراتيجية “الدولة المتوسطة الذكية”:
· الرفض: رفض ثنائية “التبعية الكاملة” أو “الانعزال التام”.
· البديل: “التنويع الاستراتيجي” و “هندسة التحالفات المرنة”.
· التنويع: تنويع الشركاء الاقتصاديين والتجاريين لتقليل مخاطر التبعية لأي قطب واحد (الشراكات عبر أربع قارات كما ذكر).
· التحالفات المرنة: التحالف مع دول مختلفة حول قضايا مختلفة، بناءً على تقاطع المصالح (مثال: تحالف مختلف في أوكرانيا، وآخر في القطب الشمالي).
· الدرس للسودان: الموقف الحالي من التردد بين معسكرين (مثل روسيا/الغرب) أو الاعتماد على شريك واحد (مثل دول الخليج) يحمل مخاطر كبيرة. الاستراتيجية الأذكى هي “تعددية براغماتية”: التعاون مع الصين في البنى التحتية، مع الاتحاد الأوروبي في الزراعة، مع تركيا في الصناعات الخفيفة، مع دول إفريقيا المجاورة في الأمن… كل ذلك في إطار مصالح واضحة، لا عواطف أيديولوجية.
4. تحديد “المنتجات الاستراتيجية” وترويجها:
· الخطاب يحول نقاط قوة كندا إلى عرض قيم (Value Proposition) للعالم: “كندا تمتلك ما يحتاجه العالم: الطاقة، والمعادن الحيوية، والتعليم، ورأس المال، والكفاءات، وقيمًا.”
· هو يبيع “حلولاً” (أمن إمدادات، استقرار، قيم) وليس فقط موارد.ه
· الدرس للسودان: يجب أن يحدد السودان “منتجاته الاستراتيجية” التي يحتاجها العالم ويبيعها بذكاء. هذه قد تشمل:
· الغذاء: كـ “سلة غذاء مستقبلية” للعالم العربي وإفريقيا، مع التركيز على الاستثمار في الري والتقنية.
· الطاقة النظيفة: الطاقة الشمسية في الصحراء كسلعة تصديرية (كهرباء، هيدروجين أخضر).
· المعادن: ليس فقط الذهب، والبترول بل ترويج المعادن الأخرى التى يذخر بها السودان
· الموقع الجيواستراتيجي: كممر تجاري ونقل بين إفريقيا والعالم، مع ضمان الاستقرار كسلعة نادرة في المنطقة.
توصيات عملية وملموسة وقابلة للتطبيق لمتخذ القرار السوداني (مستوحاة من منطق الخطاب)
التوصية الاستراتيجية العليا: الانتقال من “دولة تطلب المساعدات” إلى “دولة تقدم حلولاً واستقراراً”.
أولاً: على مستوى السياسة الداخلية (بناء أسس السيادة):
1. مشروع وطني للأمن الغذائي:
· الإجراء: إطلاق “مشروع حوض النيل للغذاء” كأولوية قومية، بشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والاستثمار الأجنبي المباشر في الإنتاج (ليس الاستيراد). التركيز على المحاصيل الاستراتيجية عالية القيمة (مثل القمح ا الزيوت النباتية الأعلاف).
· الهدف: تقليل فاتورة الاستيراد تدريجياً، وتحويل السودان من مستورد إلى مُصَدِّر للغذاء، مما يعزز قدرته التفاوضية.
2. تأسيس “الصندوق السيادي للموارد الاستراتيجية”:
· الإجراء: إنشاء صندوق سيادي شفاف يدير عوائد الموارد (ذهب، معادن) لتمويل مشاريع
(الغذاء، الطاقة، الصحة). يجب أن يكون مجلس إدارته فنيًا ومحمياً من الاستقطاب السياسي.
· الهدف: تحويل الموارد من تمويل النزاعات إلى بناء أسس السيادة الحقيقية.
ثانياً: على مستوى السياسة الخارجية والاقتصادية (التحالفات المرنة والتنويع):
1. إطلاق “دبلوماسية السودان الاقتصادية الذكية”:
· الإجراء: تشكيل “مجلس تنسيق العلاقات الاقتصادية الدولية” يضم وزارات الخارجية، المالية، التجارة، والاستثمار. مهمته رسم خريطة للشراكات على أساس المصالح، ليس على أساس الدبلوماسية التقليدية فقط.
· الهدف: التحرك ككتلة واحدة لتفاوض أفضل، والبحث عن شراكات في مناطق مهملة (جنوب شرق آسيا، أمريكا اللاتينية) لتأمين استثمارات وتكنولوجيا.
2. تحويل الأزمات إلى فرص تفاوضية:
· الإجراء: بدلاً من تقديم السودان كـ “دولة ضعيفة تحتاج مساعدة”، تقديمه كـ “دولة محورية في استقرار المنطقة، تحتاج استثماراً لتعزيز دورها الإيجابي”. على سبيل المثال، مكافحة الهجرة غير النظامية تتطلب استثماراً في فرص العمل بالسودان.
· الهدف: تحويل ورقة الضغط (الموقع، الهجرة، الأمن) إلى أصول تفاوضية.
3. التحالف مع دول “متوسطة” ذات مصالح مماثلة:
· الإجراء: بناء تحالفات مع دول إفريقية (مثل دول غرب وجنوب افريقيا) وآسيوية (مثل إندونيسيا، ماليزيا) في المحافل الدولية حول قضايا مثل تمويل المناخ، إعادة هيكلة الديون، ونقل التكنولوجيا. القوة في التجمع.
· الهدف: كسب نفوذ جماعي في مفاوضات لا يستطيع السودان خوضها بمفرده.
ثالثاً: على مستوى التواصل والهوية:
1. إعادة صياغة الرواية الوطنية:
· الإجراء: التوقف عن رواية سردية الضحية والصراع، وبناء رواية جديدة: “السودان: أرض الفرص والجسور – جسر بين إفريقيا والعالم، أرض الموارد والاستقرار المستقبلي.
تكرار هذه الرواية في كل المحافل.
· الهدف: جذب الاستثمار وخلق انطباع دولي إيجابي يغير ديناميكية التعامل.
إنشاء “منصة السودان الاستثمارية الشفافة” (Sudan Investment Gateway):
· الإجراء: منصة إلكترونية باللغات الرئيسية توفر كل المعلومات القانونية والمالية والمشاريع المتاحة للمستثمر الأجنبي، مع ضمانات واضحة.
· الهدف: تقليل “عقوبة المخاطرة” المرتفعة جداً التي يراها المستثمرون في السودان، من خلال الشفافية والمعلومة الموثوقة.
الخلاصة: الدروس المركزية من الخطاب للسودان
1. كن واقعياً: اعترف بقوة بموقعك الضعيف في النظام العالمي، واستخدم هذا الاعتراف كحافز لبناء استراتيجية ذكية، لا كسبب للإحباط.
2. كن براغماتياً: التحالفات ليست زواجاً أبدياً. ابحث عن تقاطعات المصالح مع كل الأطراف، واحمِ مصلحتك الوطنية أولاً وأخيراً.
3. كن مرناً : ركز كل الجهود أولاً على بناء القدرة على إطعام شعبك وتأمين طاقته الأساسية. هذه هي السيادة الحقيقية.
4. كن متميزاً: حدد ما يمتلكه السودان ولا يمتلكه الآخرون (أراضي زراعية شاسعة، مياه، معادن، موقع) وحولها إلى عرض لا يقاوم للعالم.
5. تحدّث بثقة: حتى لو كنت في أزمة، تواصل كلغة دولة لديها خطة وترى المستقبل. هذا يجذب الحلفاء ويحسن شروط التفاوض.
هذا الخطاب هو درس في الفكر الاستراتيجي الواقعي الذي تحتاجه النخبة السودانية لقيادة البلاد من دائرة الضعف إلى فسحة امل من القوة والمناورة. الطريق يبدأ بقرار: “إنزال اللافتة” من النافذة، والنظر إلى العالم كما هو، وبناء استراتيجية من هذا الأساس الواقعي الصلب.


