الحديث عن الهوية في السودان ليس ترفًا فكريًا، بل سؤال وجودي، يفرض نفسه مع كل مفترق طرق تمر به الأمة السودانية. بين الجغرافيا التي جعلت من السودان جسراً بين العالمين العربي والإفريقي، والتاريخ الذي كتب نفسه على ضفاف النيل وفي سهول كردفان وجبال النوبة، يتبدّى سؤال الهوية: هل نحن عرب؟ أم أفارقة؟ أم شيء آخر؟ لكن الحقيقة الأعمق أن هذا السؤال في ذاته يحمل افتراضًا خاطئًا، إذ يعامل هذه الانتماءات على أنها متعارضة، بينما هي في الواقع متكاملة، ومتداخلة، ومتجذرة في الذات السودانية.
العروبة… لسان وهوية لا عِرق ولون
لقد ترسخت العروبة في السودان بوصفها إطارًا ثقافيًا ولسانيًا، لا باعتبارها لونًا أو عرقًا. والعروبة بهذا المعنى ليست حكرًا على الجزيرة العربية، بل هي أفقٌ حضاري مفتوح، يستوعب السُّمر و (الخُدر) كما يستوعب البيض والحنطيين. فمنذ الأزل، وُجد العرب السمر، لا كاستثناء، بل كجزء أصيل من النسيج العربي. فليس من التناقض أن يكون السوداني عربي اللسان، أفريقي الملامح، إسلامي الثقافة، وسوداني الانتماء. بل في هذا التكامل تتجلى خصوصيتنا الحضارية.
الأفريقية… الجذر الذي لا يُجتث
السودان جزء لا يتجزأ من أفريقيا، بالجغرافيا، بالدم، بالإرث الثقافي والعرقي. وهذه الأفريقية ليست في مواجهة العروبة، بل تتكامل معها. كلما حاول البعض إقصاء أحد الوجهين، خسرنا العمق والاتزان. الأفريقية ليست نقيضًا، بل امتداد عضوي للهوية السودانية، وهي جزء من خصوصيتنا التي نفاخر بها لا نُنكرها.
الإسلام… ثقافة وهوية تتجاوز الدين
أما الإسلام، فهو قاسم مشترك ثقافي وحضاري في المنطقة بأسرها، وليس ملكًا خاصًا بالسودانيين، ولا حكرًا على المسلمين وحدهم. إنه هوية ثقافية جامعة حتى لغير المسلمين، بما يحمله من قيم اجتماعية، ونظم تقليدية، ومفاهيم للعدالة والتكافل والعلاقات. في السودان، تَشكَّل وعي الناس ،مسلمهم ومسيحيهم، على إيقاع هذه الثقافة الإسلامية المتسامحة، التي امتزجت بالعادات المحلية، فكوّنت وجدانًا سودانيًا فريدًا.
لا تناقض في الوطن
في السودان، لا تعارض بين العروبة والأفريقية، ولا بين الإسلام والانتماء المدني. الوطن يتسع لكل هذه الدوائر، بل يقوم عليها. الهوية السودانية، في جوهرها، ليست حالة انقسام، بل هي فرصة للتكامل. وإذا تعاملنا معها كأزمة، فسنُهدر طاقتنا في الصراع الداخلي. أما إذا أدركنا أنها حلٌّ تاريخي وإنساني، فسنعبر بها نحو الاستقرار والتقدم.
نحن لسنا بحاجة لهوية جديدة، بل بحاجة لإعادة اكتشاف هويتنا كما هي: سودانية بتعددها، عربية بلسانها، أفريقية بجذورها، إسلامية بثقافتها و وطنية بانتمائها.