منذ فجر التاريخ ظلّت كردفان رقعة الوسط التي يتنازعها دولة الفونج و سلطنة الفور، مرّة بالرمز ومرّة بالسيف. أرض لا تنحاز إلّا لمن يُجيد فهم طباعها، فهي لا تُحكم بالقوّة الخشنة وحدها، ولا تُستمال بالعطايا والوعود. تلك البقعة التي أشرقت عليها شمس دولة المسبعات يومًا، ما تزال حتى اليوم مسرحًا لصراعٍ لا يهدأ بين إرادة السلطة وإرادة المكان.
حين نقرأ التاريخ، نجد أنّ المسبعات لم تكن مجرّد سلطنة محلية، كانت مشروعًا لمدّ النفوذ من دارفور شرقًا حتى تخوم كردفان، عبر دروب القوافل التي كانت شرايين الذهب والصمغ والتجارة. أراد سلاطين دارفور أن يضمّوا كردفان تحت رايتهم، لا حبًّا في الرمال الممتدّة، وإنما رغبةً في امتلاك بوّابة السودان الوسطى، التي منها تُدار التجارة وتُصاغ الموازين السياسية. يومها كان الحاكم يدرك أن من ملك كردفان ملك الطريق، ومن ملك الطريق ملك القرار.
لكن ذلك التمدّد، على ما فيه من قوة، حمل في داخله بذرة فنائه. فقد اعتمدت المسبعات على الولاءات القبلية والعسكرية ( اجتمع على هاشم المسبعاوي أوباش الناس “الأقلية الهامشية” من الدناقلة، و الشايجية، و الكبابيش، و عرب الرزيقات، حتي صار جند كثيف) مقتطف من كتاب تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب و السودان” ص ٨٥، دون أن تُقيم سلطنة المسبعات مؤسسات حكمٍ راسخة. ولأنها لم تفهم تعقيدات المجتمع الكردفاني الذي يجمع بين القبيلة والمدينة، وبين البداوة والزرع، فقد فقدت توازنها سريعًا. في لحظةٍ بدا وكأنّ دارفور تلتهم كردفان، ثمّ سرعان ما انقلبت المعادلة، وسقط الحكم تاركًا درسا لا يزال صداه يتردّد: من أراد أن يحكم كردفان بالقوّة، حكم على نفسه بالزوال.
واليوم، بعد قرونٍ من تلك الحكاية، يظهر في المشهد حميدتي، بذات الطموح وإن تغيّرت الأدوات. الرجل الذي خرج من رمال دارفور، وعرف طريق الذهب والإبل والسلاح، بات يرى في كردفان ذات البوّابة التي حلمت بها المسبعات. تمدّده نحوها ليس حركة عسكرية، في تطور لافت يظهر سعي حميدتي لمشروع سياسي لإعادة رسم ملامح السلطة في السودان. و حميدتي، و جنجويدة ليس إلا منتج شرعي للجفاف و التصحر الذي ضرب دارفور خلال السبعينات و الثمانينات التي زعزعت ديموغرافية رعاة الإبل، كما سطرت جولي فلنت في كتابتها عن الحنجويد، إضافة لانتشار السلاح المتدفق من تساعد و ليبيا إبان الصراع بينهما في سبعينيات القرن الماضي.
حميدتي يدرك أن من يملك كردفان يملك قلب البلاد، لأنّها الملتقى بين الشرق، والغرب، والشمال والجنوب. هي صحن السودان، كما يقول أهلها: “اللقمة الفيها طَعِم الجميع.” لذلك فإن السيطرة عليها تعني السيطرة على المعنى قبل الجغرافيا.
ما يميّز حميدتي عن أسلافه أنه قرأ ضعف المركز السياسي في الخرطوم، وتفكّك البنية الإدارية للدولة. هذا الفراغ أغراه بمدّ يده للاستحواذ علي السودان، كما مدّتها المسبعات يومًا، طامعًا في استثمار الفوضى ليصنع منها دولةً داخل الدولة. يقدّم نفسه كحامٍ للقبائل وراعٍ للأمن، غير أنّ جوهر المشروع يقوم على احتكار الموارد، ومراكمة النفوذ القبلي وتسييس الولاء المحلي، كل ذلك بتدخل خارجية بمؤامرة قديمة متجددة في تقسيم السودان إلى دويلات أصغر ليسهل السيطرة عليها، و سرقة مواردها، و تسليمها غنيمة للمحافظين الجدد ( new cons) و خطأ مفهوم الديانة الإبراهيمية التي يحاول أن فرضها في الفضاء الإسلامي.
في هذه النقطة يتقاطع مشروع حميدتي مع إرث المسبعات فكلاهما قرأ كردفان من زاوية الغنيمة لا من زاوية الشراكة. وكردفان، بطبيعتها، لا تُستملك، لأنها ليست أرضًا، و لكنها روحًا منفتحة على الجميع، تأنف من الطغيان. كل من حاول أن يطوّعها اصطدم بعنادها الصامت. كما يقول أهل البادية: “كردفان ما بتتبلع، إن بلعتها تخنقك.”
هنا جوهر الأزمة: ليست المسألة حدودًا بين ولايات، ولا صراعًا على الأرض، و الذهب أو الماشية، وإنما مأزق في فهم معنى السلطة نفسها. فحين تتحوّل الدولة إلى غنيمة، يتكرّر التاريخ بصورةٍ مأساوية، يلبس ثوبًا جديدًا لكنه يحمل النفس القديم، القديم بدعاوي حكام و صفوة دارفور، بفرضية أن كردفان (حاكورة) من (حواكير) دارفور و يستدلون علي ذلك بشراء سالم تريشو (زعيم الحَمَر) لأراضي دار حمر من سلطان دارفور، فكردفان لهم باستثناء جبال النوبة (أرض التروج) ما عدا أرض (الحوازمة) التي تتبع لسلطنة دارفور. كما نلاحظ أن المسألة جد خطيرة، اختلط فيها التاريخ بالحاضر.
لقد ظلّت العلاقة بين دارفور وكردفان علاقة شدٍّ وجذب، لا يفسّرها الاقتصاد وحده، ولا الجغرافيا فقط، إنما يفسرها التاريخ الاجتماعي المليء بالتشابك والتداخل بين المجموعات البشرية في الإقليمين. تزاوج وتبادل ثقافي جعل التفرقة بين الدارفوري والكردفاني في الأسواق والبوادي أمرًا عسيرًا، ومع ذلك بقي بينهما إحساس دفين بالتنافس على الزعامة. وحين يدخل هذا الإحساس معترك السياسة يتحوّل إلى وقودٍ للصراع يُضعف وحدة الوطن.
حميدتي، وهو يمدّ نفوذه نحو كردفان، يُعيد إلى الأذهان صورة الحاكم الذي يجعل من البندقية طريقًا إلى الشرعية. غير أنّ الوعي الشعبي اليوم أوسع من أن يُختزل في ولاءات ضيّقة. و كما كما تتطابق شخصية حميدتي مع مفهوم (اللامنتني) لكولن ويلسون “إنسان يشعر بالغربة و الانعزال داخل مجتمعه، غير قادرة على الاندماج من منظومة القيم التقليدية، أو أنماط الحياة السائدة، شخص حاد الحساسية، متمرد، يشعر بأن العالم حوله مفرغ من المعني و هو ما يجعله في صراع دائم مع الوجود باحثًا عن معنى أعمق”
لقد خبرت كردفان التجارب، من المسبعات إلى المهدية ومن الحكم الثنائي إلى الاستقلال، وهي تدرك أن من يأتيها متوشّحًا السلاح يفقد بريقه حين يلامس رمالها التي لا تعرف الخضوع.
يقول أحد شيوخ (البقارة) في رواية متداولة: ‘الزول البجي كردفان بالحديد، بيمشي منها في صمت.’ تلك الحكمة تختصر تاريخ الهيمنة في أبسط صوره؛ فالأرض هنا تـُعاقب من لا يحترمها، والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه.
ما يجري اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لدائرةٍ لم تُكسر بعد: أطماع الخارج في الداخل، و تناسي ما نادت به معاهدة ويستفاليا ( Westphalia) ١٨٤٨، و أن لكل دولة حقها الكامل في إدارة شؤونها الداخلية دون تدخل خارجي، و إرساء قاعدة العلاقات بين الدول، و في زمن هيمنة الاستعمار الجديد اختلفت الطرق و الوسائل في السيطرة علي الدول، علي الدول التي تساعد علي زعزعة امن و استقرار السودان أن ترفع يدها، فدارفور التي كانت بالأمس مملكة ذات سيادة، صارت اليوم حقل تنازع بين الزعامات، وكردفان التي كانت صمّام توازن، تحوّلت إلى ساحة اختبار لكل مشروعٍ يريد أن يبتلع الوطن من أطرافه.
ومع ذلك، يبقى في الأفق بصيص أمل. فالأقاليم، رغم جراحها، تحمل في جوفها قدرةً على التجدد والمصالحة متى ما عادت الدولة إلى معناها الأصيل: العدل لا الغلبة، المشاركة لا الاستحواذ. لا بدّ من فهم وطني يكون فوق الأطماع و الطموحات يُدرك أن كردفان ليست جائزة حرب، وأن دارفور ليست منصة هيمنة، فكلاهما جناحان لجسدٍ واحد اسمه السودان، و نلتقي كشركاء في التاريخ و المصير، بتعدد عادل و ذاكرة مشتركة و شراكات مسؤولة عبر حوار و مكاشفة لحل كل المشاكل و الضغائن المخفية، و في تاريخ الأمم لا تنهض الأفكار و يعم السلام إلا بالوعي و الإصلاح، لا بالسيف.
إنّ التاريخ لا يعيد نفسه كما هو، لكنه يُعيد إلينا الأسئلة نفسها بأقنعةٍ مختلفة. فالمسبعات، و بعده هيمنة (المقدوم مسلم) على كردفان إلى حين قدوم ابن الباشا (محمد علي) لم تعد قائمة، غير أن روحها تلوّح في سلوك بعض الطامحين. و لنعتبر بانفراد دارفور في حكم كردفان ( ٣٤ عاما)، و كراهية أهل كردفان لحكمهم و تعاون الكبابيش و الدواليب مع الدفتردار بإنهاء حكمهم.
السؤال الحقيقي اليوم: هل نتعلم من الماضي لنصنع حاضرًا مختلفًا، أم نواصل الدوران في ذات الرحى التي طحنَت أسلافنا؟
كردفان لا تحتاج إلى راية جديدة تُرفع فوقها، ما نحتاجه عقد اجتماعي جديد يحفظ توازنها وكرامتها. هي قلب السودان النابض؛ إن اختلّ نبضه، اختنق الجسد كله. والتاريخ علّمنا أن الهيمنة مهما اشتدّت، تذوب أمام صبر الأرض وإرادة الناس، و كفاحهم للزود عنها، كما وقف شيوخ الدين عندما استبد الترك (حميدتي) للدفاع عن النفس و المال و العِرض، وقفوا دفاعًا عن تلك القيم بثبات في الدين و قيمة و رجولة، الشيخ العبيد ود بدر، الشيخ محمد الخير الغبشاوي، الشيخ الطاهر المجذوب، الشيخ الحسين الزهراء، الحسن العبادي، السيد المكي السيد إسماعيل الولي و الشيخ عامر المكاشفي، و دافعوا عن دعوة الحق حتى النصر (الأخو كان مرخرخ بِنفرز في الكُربة)،
من أجل نبذ التدخلات الخارجية في تغيير جغرافية و تاريخه كما فعل البعض من الأجداد بنداء الاستغاثة بالأجنبي ( التُرك) لحل صراعاتهم الداخلية، منهم إدريس ود ناصر (البيت السناري)، نصرالدين (شيخ المناصير)، بشير ود عقيد (الجعليين)، طمبل بن الزبير، و أبو مدين ضد محمد الفضل (دارفور)، و حديثا الغزو الأجنبي أيام نميري و الاستعانة ب (ليبيا)، فولكر و من تبعه و السعي نحو البند السادس، حميدتي و دويلة الإمارات مع مجموع سبعة عشر دولة ضد السودان، يعملون على إعادة إنتاج التهميش في المخيلة السودانية لتأجيج النزاعات القبلية و عسكرة المجتمعات و تصعيد النزاعات التاريخية بين المجموعات لتفتيت وحدة البلاد.
و لكن جموع السودانيين صامدة مستلهمة من تاريخنا و نهتف:
اليوم ألسِنة المدافع وحدها
مقبولة الدعوات طاهرة الفم
الجو لم يملكه غير نسوره
و الغاب لم يملكه غير الضيغم
و الحق ليس ببالغ جُوديّة
حتي نجود له بطوفان الدم
(الشاعر محمد الأسمر)
وها نحن نرى المشهد ذاته يعود بملامح جديدة وأسماء مختلفة، كأنّ الزمان يقول لنا: ‘تغيّر الزي، لكن المسرح هو نفسه.’ فهل نتدارك الدرس هذه المرة، أم نترك للتاريخ أن يكتب علينا فصلاً آخر من فصول التكرار؟ و نتعلم أن التاريخ صيرورة مستمرة كحدث في الماضي علينا استخلاص العبر
لفهم الواقع و التنبؤ للمستقبل بتصحيح أخطاء ذلك الماضي. و هل تصبح كردفان (أم دبيكرات) لحميدتي و بنفس مصير الخليفة (عبد الله ود تورشين) بثلاث طلقات في صدره اخترقت إحداهما قلبه.
كنا نأمل في تطبيق مقولة حكيم السودان بابو نمر بعد غزو ١٩٧٦، حين قال لنميري “يا ولدي انتو ما تتصالحوا و تتعافوا مع أخوانكم، لمصلحة البلد، بدلا من العراك و الموت و الدشمان كل سنة” كتاب زين العابدين محمد أحمد عبدالقادر ص ١٠٧.
فليضع حميدتي السلاح و ينصاع لأمر الدولة و أهل السودان، و يتبرأ من أفعاله بتفكيك قواته لتندرج تحت إمرة القوات المسلحة و يتوب، و يعلم أن لا دور سياسي أو اقتصادي له في السودان، عندها نقول سمعًا و طاعة لنصيحة حكيمنا الوالد الناظر بابو نمر.
نوفمبر ٢٠٢٥

