لا يمكن فهم المشهد اليمني والسوداني الراهن باعتباره حربًا تقليدية بين حكومة وجماعة متمردة، بل هو صراع مركّب تتداخل فيه البنى القبلية مع الانقسامات الجغرافية، وتتصارع داخله مشاريع سياسية متناقضة، برعاية وتدخل إقليمي مباشر وغير مباشر. وبعد أكثر من عشر سنوات على اندلاع الحرب، بات اليمن نموذجًا لدولة معلّقة: لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي.
أولًا: الخريطة العامة للصراع بالأرقام
عدد القتلى: تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الحرب تسببت في وفاة أكثر من 377 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر حتى عام 2023، معظمهم بسبب الجوع والأمراض (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي – UNDP).
الوضع الإنساني:
أكثر من 18 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية (OCHA).
قرابة 4.5 مليون نازح داخليًا.
الاقتصاد:
خسائر الاقتصاد اليمني تجاوزت 90 مليار دولار منذ 2015.
العملة فقدت أكثر من 70% من قيمتها في مناطق الحكومة المعترف بها.
هذه الأرقام لا تعكس فقط كلفة الحرب، بل تشير إلى انهيار بنيوي طويل الأمد.
ثانيًا: تفكيك الأطراف الرئيسية – القوة والضعف
1. جماعة الحوثي (أنصار الله)
نقاط القوة:
سيطرة جغرافية متماسكة تشمل العاصمة صنعاء وأغلب الشمال.
جهاز أمني شديد المركزية وقمع فعال للمعارضة.
امتلاك ترسانة صاروخية وطائرات مسيّرة غيّرت قواعد الاشتباك الإقليمي.
خطاب أيديولوجي تعبوي يُستخدم لتجنيد المقاتلين وضبط الداخل.
نقاط الضعف:
عزلة سياسية دولية شبه كاملة.
اقتصاد حرب قائم على الجبايات، غير قابل للاستدامة.
فقدان الحاضنة الشعبية في قطاعات واسعة بسبب القمع والتجنيد القسري.
اعتماد كبير على الدعم الخارجي تقنيًا وعسكريًا.
2. الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا
نقاط القوة:
- اعتراف دولي ودعم سياسي رسمي.
- سيطرة اسمية على مؤسسات الدولة السيادية.
- دعم مالي وعسكري من التحالف.
نقاط الضعف: - تفكك داخلي حاد وغياب قيادة موحدة.
- غياب إداري واسع أفقدها ثقة الشارع.
- ضعف السيطرة الفعلية على الأرض.
- الامتثال للدعم الخارجي دون امتلاك قرار مستقل.
3. المجلس الانتقالي الجنوبي
نقاط القوة: - سيطرة أمنية وعسكرية فعلية على عدن وأجزاء واسعة من الجنوب.
- تنظيم عسكري منضبط نسبيًا مقارنة ببقية القوى.
- خطاب سياسي واضح (الانفصال/استعادة دولة الجنوب).
- دعم إقليمي مباشر، من الإمارات.
نقاط الضعف:
- افتقار للاعتراف الدولي ككيان مستقل.
- انقسام جنوبي داخلي (حضرموت، المهرة).
- اقتصاد محلي ضعيف يعتمد على الدعم الخارجي.
- مشروعية سياسية مرتبطة بالسلاح أكثر من المؤسسات.
ثالثًا: اليمن كحالة استنزاف إقليمي
تحوّل اليمن إلى ساحة إدارة صراع لا حسمه. فالتوازن الحالي يخدم أطرافًا إقليمية ترى في “اللاحرب واللاسلم” خيارًا أقل كلفة من الانتصار الكامل أو الهزيمة. هذا الواقع أنتج كيانات مسلحة موازية للدولة، تتعايش مع الانهيار بدل السعي لإنهائه.

رابعًا: مقارنة تحليلية
المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن × قوات الدعم السريع في السودان
رغم اختلاف السياقين، ثمة تشابه بنيوي لافت بين التجربتين:
المجلس الانتقالي الجنوبي،
قوات الدعم السريع.
النشأة:
- فصيل مسلح نشأ من فراغ الدولة.
- ميلشيا تطورت من (الجنجويد).
العلاقة بالدولة:
- كيان موازٍ ينازع الحكومة.
- قوة تنازع الجيش الرسمي.
الدعم الخارجي
- دعم إقليمي مباشر
- علاقات إقليمية وتمويل خارجي
الشرعية:
- أمر واقع على الأرض.
- قوة أمر واقع بالسلاح.
- الخطر المستقبلي.
- ترسيخ الانقسام.
- تفكيك الدولة بالكامل.
الاختلاف الجوهري أن المجلس الانتقالي يتحرك ضمن سقف سياسي واضح (الانفصال)، بينما تتحرك قوات الدعم السريع بمنطق سلطوي توسعي بلا مشروع دولة، ما يجعل الحالة السودانية أكثر خطورة من حيث احتمالات الانهيار الشامل.
واللافت للنظر أن العيدروس في اليمن وحميدتي في السودان كل منهما يحتل منصب نائب رئيس الدولة حتى لحظة تمردهم.
خلاصة تحليلية
اليمن اليوم ليس دولة مفككة فقط، بل دولة مؤجَّلة. فكل طرف يملك ما يكفي لمنع الآخر من الانتصار، ولا يملك ما يكفي لبناء دولة. وفي ظل تشابه التجربة اليمنية مع نماذج أخرى في الإقليم، مثل السودان وليبيا، يتأكد أن أخطر ما يواجه المنطقة ليس الحروب نفسها، بل تطبيع وجود الميلشيا كبديل عن الدولة.
ما لم تُفرض تسوية سياسية شاملة تُعيد تعريف السلطة والسلاح والشرعية، فإن اليمن مرشح للبقاء كنزاع مزمن، يُدار لا يُحل، وتُستثمر مأساته بدل إنهائها.

