دولة باكستان الإسلامية وتعني (الأرض الطاهرة) باللغة الأوردية ، لم يكن ذكر باكستان في هذا المقال نبوءة أو تخمين، بل جذبتني إلي ذلك المعطيات و الأحداث الجارية في محيطنا الإقليمي و الدولي ، هذه الأحداث و المتغيرات الجيواستراتيجية التي حدثت و تحدث في المنطقة و صار السودان محورها خاصة بعد اجتياح قوات الدعم السريع المتمردة لمدينة الفاشر في أكتوبر ٢٠٢٥م و ارتكابها فظائع في حق المدنيين وصفت من جهات حكومية محلية و منظمات دولية كثيرة بأنها إبادة جماعية أو علي أقل تقدير أنها جرائم حرب في حق الإنسانية، و أيضًا بعد أحداث اليمن و موقف المملكة العربية السعودية من الوجود الإماراتي في اليمن و الذي انتهي بإجلاء القوات الإماراتية و طرد العناصر اليمنية الموالية لها، رشحت أنباء من وكالات أنباء عدة و تقارير إعلامية و صحفية دولية و إقليمية و محلية واسعة الانتشار و التداول بشأن صفقة سلاح بين السودان و باكستان، تقوم باكستان بموجبها تزويد السودان بالسلاح بتمويل سعودي كبير، تزويد باكستان للسودان بالسلاح في هذا التوقيت لدحر قوات الدعم السريع المتمردة نبه ذاكرتي و من خلال المعلومات المتاحة عن تزويد باكستان للجيش السريلانكي في الحرب الأهلية السريلانكية التي استمرت لثلاثة عقود من الزمان، هذا الدعم كان كفيلا لترجيح كفة القوات المسلحة السريلانكية و علي حساب حركة نمور التاميل الانفصالية.
استطاعت هذه القوات القضاء علي التمرد بالقوة كسابقة أولي من نوعها في العصر الحديث بحسم التمرد بالقوة و دون تفاوض كما أودرنا في مقالنا بعنوان (الجنجويد …التمكين عبر اختراق الأمن القومي السوداني ، الجزء ٣ – ٣ ، سبتمبر ٢٠٢٣م)، و ذكرنا في ذات المقال أن علي الدعم السريع إلقاء السلاح حتي لا يلجأ الجيش السوداني إلي اتباع استراتيجية الفناء و أشرنا إلي النهاية التراجيدية لحركة نمور التاميل بالهزيمة الساحقة في العام ٢٠٠٩م، بناء علي هذه المؤشرات و المتغيرات في ميزان القوي في الإقليم بظهور المملكة العربية السعودية قوة رائدة و مهيمنة ( Big Brother) و ظهور تحالف ضمني غير معلن مع مصر إلي جانب تركيا و قطر هل سيعيد تسليح باكستان للسودان مسلسل سريلانكا في السودان ؟
و للإجابة على السؤال أعلاه دعنا نسقط الحالة السريلانكية علي الحالة السودانية بإجراء مقارنة بين حركتي التمرد في كلا البلدين سريلانكا و السودان رغم البعد الجغرافي و اختلاف البيئة الإقليمية،المصدر لأغلب ما نوردها هنا من معلومات هو كتاب ( Road to Nandikadal )للجنرال السريلانكي كمال ( Kamal Gunaratne ) الجنرال Kamal هو قائد الفرقة التي قادت آخر معركة و قتل فيها زعيم التمرد في نانديكادال و هو من أبلغ القيادة والسيطرة للجيش السريلانكي بنهاية الرجل الأول و القائد و رمز حركة نمور التاميل إيلام، هذا الكتاب يتحدث عن تفاصيل هزيمة هذه الحركة بشكل تفصيلي بحكم أن مؤلفه كان شاهدا بل من الذين خاضوا غمار الحرب لأكثر من ثلاثين سنة.
نمور تحرير تاميل إيلام ( Liberation Tigers of Tamil Eelam ) و المعروفة اختصارا .(LTTE) ، هي حركة انفصالية نشأت في العام ١٩٧٦م بهدف قيام وطن لتاميل سريلانكا في شمال و شرق البلاد بمطالب إنسانية و حقوق مدنية تحت مسمي (تاميل إيلام) أي وطن تاميل، و هو اسم للدولة المنشودة و إيلام هو الاسم القديم لسريلانكا ، اشتدت وتيرة القتال بين الحركة المتمردة والقوات الحكومية في سنة ١٩٨٣م بعد أن تطورت الحركة بشكل كبير و صارت قوية مسلحة بأسلحة متطورة، و اتبعت تعبئة و أساليب قتال عنيفة خاصة العمليات الانتحارية التي ابتكرتها و تعتبر هي مصدر إلهام للمنظمات الإرهابية التي تبنت هذا الأسلوب من القتال حول العالم لاحقًا.
لربط العلاقة بين الحركتين لابد من دراسة الملامح التالية:
أولًا: النشأة : نشأت حركة نمور التاميل في شمال سريلانكا ذو الأغلبية التاميلية، و طالبت بحقوق مدنية بالسلم إلا أنها كونت جناحًا عسكريًا قوام قواته من التاميل، و كذلك قوات الدعم السريع كانت قوات مساندة للقوات المسلحة معظم عناصرها من عشائر عرب دارفور بغرض مكافحة التمرد في دارفور ثم تطورت حتى أصبحت قوة موازية للقوات المسلحة و تمردت على الدولة.
ثانيًا الهدف: هدفت حركة نمور التاميل إلى قيام وطن لقومية التاميل في شمال وشرق الجزيرة و هذا ما ذهب إليه الدعم السريع بإنشاء دولة (العطاوة) في السودان باحتكار السلطة بالقوة على أنقاض السودان القديم حسب زعمهم (دولة ٥٦).
ثالثًا: البيئة الدولية و الإقليمية: وجدت حركة نمور التاميل دعمًا و سندًا كبيرين من الجارة الهند ( Big Brother) بحكم الانتماء العرقي، ولاية تاميل نادو الهندية ذات الأغلبية التاميلية تبعد عن أقرب نقطة يابسة من سريلانكا (٣٠) ميلًا بحريًا، وفرت الهند الإمدادات اللوجستية و التدريب و الدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية لنمور التاميل في المرحلة الأولى من التمرد قبل أن تسوء العلاقة بينهما و قطعها و انقلبت ضدها و مناهضة لها، مقابل هذا الموقف كان هناك موقفًا مغايرًا وهو الموقف الباكستاني، وقفت باكستان إلي جانب القوات المسلحة السريلانكية (الصراع الأزلي) و قامت بتقديم الدعم اللوجستي والتدريب للجيش السريلانكي رجح كفة ميزان القوى لصالح القوات المسلحة السريلانكية.
رابعًا: السيطرة على الأراضي و الموارد : سيطرت نمور التاميل على أجزاء واسعة من شمال وشرق البلاد وسيطرت على موانئ مهمة و احتكرت موارد في تلك المناطق و بذلك فتحت لنفسها منافذ للاتصال الخارجي إضافة إلى مساهمات شتات التاميل في الدول الأوروبية والأمريكتين مقابل قوات مسلحة سريلانكية ذات إمكانيات محدودة وقدرات ضعيفة و مسلحة بمعدات قديمة قبل دخول باكستان بموقفها الداعم لها، مرت قوات الدعم السريع منذ نشأتها بدعم حكومي ثم السيطرة علي أراضي واسعة ذات موارد ضخمة مولت بها عمليات بناء القوات من تجنيد و تدريب و تسليح و كسب الولاءات و خلق توازن في القوى مع القوات المسلحة السودانية و التي أرهقت و أنهكت نتيجة لضغوط سياسية داخلية خارجية.
خامسًا: الاتصال الخارجي: بحكم الانتماء الإثني وقفت الهند إلي جانب نمور التاميل و فتحت لها قنوات الاتصال الخارجي، و تدفقت المساعدات التي مكنت الحركة من تطوير قدراتها العسكرية فبنت قوات برية و بحرية و جوية مكنتها من تحقيق انتصارات ساحقة على القوات الحكومية في أولي مراحل الحرب، و هو ذات القفزة التي قفزت بها الدعم السريع إلي خارج أسوار البلد بفتح قنوات مع جهات دولية و إقليمية ( دول عربية و افريقية و الاتحاد الأوروبي ) بعلم الدولة أحيانًا و بدون علمها و هو اختراق أمني كبير للأمن القومي السوداني انتهى بها المطاف إلى استقطابها ثم التمرد على الدولة للاستيلاء على السلطة بالقوة في ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، هذه الجهات وفرت الدعم اللوجستي عبر كثير من دول الجوار و المعلومات و غطاء دبلوماسيا في المحافل الدولية لقوات الدعم السريع.
سادسًا: الإرهاب: تعد حركة نمور التاميل الحركة الأكثر فظاعة ضد خصومها حيث ابتكرت أساليب قذرة بغرض التأثير علي الخصم و خفض روح المعنوية و أشدها كانت العمليات الانتحارية و تفجير المقرات الحكومية و اغتيال الشخصيات الهامة في البلد بل تعدت إلي خارج البلاد حيث تم تنفيذ عملية انتحارية في ولاية تاميل نادو الهندية اغتيل فيها رئيس الوزراء الهندي راجيف غاندي في العام ١٩٩٢م تلتها عملية مماثلة قتل فيها الرئيس بريماداسا في سريلانكا في العام ١٩٩٣م كسابقة أولي من نوعها و هي قيام حركة متمردة بقتل زعيمي بلدين كما قامت الحركة بمجازر مرعبة ضد الإثنيات الأخري في مناطق سيطرتها و أيضا القيام بهجمات ممنهجة علي المدنيين هذا النهج اتبعه الدعم السريع في حربه ضد الدولة السودانية بالقيام بعمليات إبادة جماعية بشكل بشع و مروع و تنفيذ هجمات واسعة يتم توثيق هذه الفظائع بواسطة أفراد قوات الدعم السريع القائمين بارتكابها و الإقرار بذلك و تنفيذ عمليات تهجير قسري للناجين من الموت بعد نهب و سلب أو حرق ممتلكاتهم و الهدف من هذا هو بث الرعب و الوعيد بالمصير المنتظر لمن يقاوم عمليات الدعم السريع ، بناء على العمليات الانتحارية تم تصنيف نمور التاميل منظمة إرهابية و هو المصير المنتظر لقوات الدعم السريع في السودان.
سابعًا: القادة: فلوبيلاي برابهاكاران زعيم نمور التاميل يعتبر أكثر زعماء التمرد دموية ، ذو شخصية صارمة ، تعليمه متوسط ، كتوم ، لا يحب الظهور كثيرا ، مرهوب ، قائدا مطلقا يمتاز بالجرأة كما شخصية قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو ، شخصية تدعي البساطة لحد السذاجة لكنه مخادع ماكر يعمل بهدوء ، مثير الإعجاب لدي أتباعه لذلك يخلصون له، هذه الصفات جعلت منه رمزًا للفداء تقدم دونه الأرواح رخيصة.


