في توقيت بالغ الدقة، تزامناً مع ذكرى الاستقلال وبداية عام 2026، يشهد الملف السوداني تحولات نوعية تتجاوز منطق المعارك إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي الإقليمي والدولي. بين خطاب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الحاسم، وزيارة مدير المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد إلى بورتسودان، وتراجع السرديات الدولية المساندة للتمرد، يبدو أن السودان دخل مرحلة الحسم الاستراتيجي وبناء الدولة الوطنية على أنقاض مشروع الدولة الموازية.
1. الخطوط الحمراء المصرية: من تفكيك السردية إلى تثبيت الشرعية
أعلن خطاب الرئيس السيسي نهاية مرحلة “الرمادية” الإقليمية، واضعاً خطوطاً حمراء صريحة برفض الكيانات الموازية، ومؤكداً أن من يصنع الميليشيات إنما يهدم الدول. هذا الموقف لم يكن خطاباً دعائياً، بل إعادة تعريف لطبيعة الصراع في السودان:
صراع دولة ذات سيادة ضد مشروع ميليشياوي عابر للحدود.
الأهمية الاستراتيجية للموقف المصري تكمن في نسف سردية “أدلجة الجيش السوداني” التي روجت لها أطراف إقليمية وأذرعها السياسية، إذ إن القاهرة – المعروفة بحساسيتها الصارمة تجاه الإسلام السياسي – منحت المؤسسة العسكرية السودانية إقراراً إقليمياً بمهنيتها ووطنية معركتها.
2. زيارة بورتسودان: دبلوماسية الاستخبارات وكسر العزلة
تحمل زيارة اللواء حسن رشاد دلالات تتجاوز التنسيق الأمني التقليدي، فهي تمثل انتقال العلاقة إلى مستوى التخطيط المشترك لما بعد الحسم. نقل معلومات استخباراتية عالية الحساسية تزامن مع:
• حسم نوعي في كردفان
• تأمين شبه كامل للعاصمة الخرطوم
وهو ما يؤشر إلى نهاية ما وصفه مراقبون بـ “العزلة الاختيارية”، وبداية انفتاح سوداني محسوب على تنسيق إقليمي فاعل (مصري–سعودي–تركي)، يهدف إلى تثبيت السيادة ومنع إعادة تدوير الميليشيا سياسيًا.
3. الانهيار الأخلاقي والسياسي لمشروع الدولة الموازية
لم ينهزم التمرد عسكريًا فحسب، بل انهار أخلاقيًا وسياسيًا. رهان “الديمقراطية عبر فوهات البنادق” سقط، وتحولت الميليشيا إلى عبء تتبرأ منه حتى القوى التي سوّقته.
رُصدت طلبات “عودة هادئة” من شخصيات مدنية أدركت متأخرة فداحة التحالف مع مشروع التمرد.
وكما أشار الفريق خالد عابدين، فإن الانضباط المؤسسي للقوات المسلحة مكّنها من كسب معركة الوعي الوطني قبل السيطرة الميدانية، وهو ما جعل مشروع الدولة الموازية بلا حاضنة داخلية أو غطاء أخلاقي خارجي.
4. الوجدان الشعبي وبوادر الاصطفاف الوطني
في هذا السياق، جاء خطاب “حركة الإصلاح الآن” مستلهماً روح الاستقلال، داعياً إلى اصطفاف وطني عريض يتجاوز الثأر السياسي نحو بناء الدولة.
الوجدان السوداني لم يعد يطلب مجرد وقف إطلاق نار، بل أمراً رشداً يعيد الهيبة والكرامة، رافضاً صفقات الخارج التي تحاول إدارة الأزمات بعقلية المافيا، كما حذّر الصحفي البريطاني ديفيد هيرست في نقده للسياسات الدولية المتجاهلة لحقوق الشعوب.
الخاتمة: من الحسم إلى البناء
في يناير 2026، يبعث السودان برسالة واضحة:
المليشيا صفحة طُويت، والدولة الوطنية تعود فاعلاً سيادياً لا تابعاً.
إن تلاقي الغطاء السياسي المصري مع الفعل الاستخباري والميداني، واصطفاف الوجدان الشعبي، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها:
البناء – التعافي – العدالة
حيث لا مكان لكيانات موازية، ولا شرعية لإرادات مرتهنة.


