(1)
مبدأ جوهر الصقلي
منذ أن قال جوهر الصقلي عبارته الشهيرة: “أدخلتكم في طاعة المعز بسيفه وذهبه”، صار المثل يجري على الألسن كلما اجتمع الترهيب والترغيب في يد سلطانٍ أو حاكم. واليوم، يطل هذا المثل من جديد ونحن نقرأ توقيع مصر على البيان الرباعي الأخير بشأن السودان.
لم يكن التوقيع مجرد حبر على ورق، بل كان مشهدًا محمّلًا بالتأويلات. مصر لم تدخل البيان حبًا فيه، ولا اندفاعًا وراء أطرافه، وإنما دخلته تحت ضغط “سيف” وخداع “ذهب”، في معادلة تحاكي المثل التاريخي: سيف المعز وذهبه.
(2)
إحساس الشعب السوداني:
هنا، لا بد من الإصغاء إلى نبض الشارع السوداني الذي يقرأ الموقف المصري بعيون دامية. وإحساس مر بالخذلان فشعب السودان يرى في مصر الشقيقة الكبرى، الأعرف والأدرى بما ارتكبته قوات الدعم السريع من فظائع وانتهاكات، لكنها – في لحظة السياسة – اختارت التوقيع مع الرباعية التي ساوت بين الجلاد والضحية.ولذلك يتردّد على الألسن إحساسٌ عميق بالخذلان، حتى صار القول الغالب: “إن مصر التي نعرفها قلبًا وقالبًا، ليست هي مصر التي وقّعت على البيان”.
(3)
ذهب الإمارات وسيف أمريكا:
إن في البيان رائحة الذهب ورنين السيف؛ فذهب الإمارات يلمع في خلفية المشهد، يغري بالتمويل والدعم، ويمد خيوط النفوذ عبر حقائب المال التي صارت إحدى أدوات السياسة في المنطقة. أما سيف أمريكا، فهو حاضر في اليد الأخرى، يلوّح بالعقوبات والضغط الدبلوماسي والإقصاء من المشهد إن لم يسرِ التوقيع في اتجاه المرسوم. وهكذا اجتمع الذهب والسيف، ليُذكِّرا بعبارة المعز التي عبرت القرون.
(4)
الدواعي والأسباب:
الضغوط المسلَّطة على مصر جعلتها أمام عاصفة من الترهيب.. سيف أمريكا: مرفوع في وجهها عبر التلويح بالعقوبات، والعزل عن مائدة القرار إن لم تكن حاضرة في الصف. واشنطن لم تترك مجالاً للمناورة، بل وضعت القاهرة أمام معادلة “إما التوقيع أو الإقصاء… أما ذهب الإمارات فقد كان يلمع في الخلفية، يعِد بالدعم الاقتصادي والاستثمارات، ويغري بالوعود المبطّنة التي تراهن على حاجة مصر الملحّة في ظل أوضاعها الاقتصادية المتعبة.
من جانب آخر يبدو أن القاهرة لم تغفل حسابات الإقليم؛ فغياب مصر عن البيان كان سيعني انسحابها من دائرة النفوذ في الملف السوداني لصالح قوى أخرى، وهو أمر لا يليق بتاريخها ولا بأمنها القومي المرتبط عضوياً بجنوب الوادي.
وبالتالي لم تكن مصر غافلة عن حساسية الموقف. لكنها قدّرت أن التوقيع ضرورة لتأمين موقعها على طاولة القرارات الكبرى، ولو كان البيان لا يعبّر كلياً عن رؤيتها. وربما كانت من تقديرها أن المشاركة في صياغة المستقبل السوداني خيرٌ من ترك الساحة للآخرين…ومن جانب المصالح المصرية فإن إظهار المرونة في هذا الملف قد يفتح لها متنفسًا في ملفات أخرى شائكة كأمن النيل أو الدعم المالي الدولي.
(5)
حقيقة الأسباب العميقة
وراء القلم الذي خط التوقيع، هناك توازن صعب بين الحاجة والواجب: … الحاجة إلى الدعم، حتى لو جاء من ذهبٍ يلمع بيد غير مخلصة… أما الواجب فهو البقاء داخل المشهد، كي لا يُكتب تاريخ السودان من دون مصر.
(6)
ويبقي القول
هكذا، وجدت مصر نفسها في قلب معادلة معقدة: بين سيفٍ مشرع يلوّح بالعقوبات والعزلة، وذهبٍ لامع يغري بالوعود والدعم. وفي مواجهة هذا المشهد المزدوج، لم يكن أمامها سوى أن تمسك بالقلم وتوقّع، لكن التوقيع حمل في طياته أسئلة مؤرقة عن المصير أكثر مما حمل من يقين.
لقد اختارت مصر أن تبقى في صدارة المشهد، لا أن تغيب عن طاولة القرار. لكنها مغامرة محفوفة بالتوجس، إذ الطريق محفور بالسيوف المسلطة وبريق الذهب الذي يسطع في غير موضعه. كان الخيار أشبه بعبور جسر ضيق بين واديين سحيقين: من جانب ضغط القوى الكبرى، ومن جانب آخر إغراء المال والنفوذ.
في خلفية المشهد، يلوح سيف أمريكا بحدّه الصارم، يفرض التوقيع أو يلوّح بالعقاب. وفي المقابل، يلمع ذهب الإمارات بما يحمله من وعود اقتصادية واستثمارات، فيغدو التوقيع بين رهبة السيف وبريق الذهب. فهل هو خطوة تثبيت للنفوذ، أم تنازل مؤلم تحت ثقل الضغوط؟ سؤال يظل معلقًا، تنتظر إجابته الأيام.
أما الشعب السوداني، فقد استقبل الموقف بمرارة وحسرة. فمصر، الأقرب إلى جراحه و الأدرى بفظائع الدعم السريع، لم تُنصفه حين وقّعت على بيان بدا وكأنه يساوي بين الضحية والجلاد. ومن رحم هذه المرارة نسجت كتاب الشعب السوداني إحساس عميق بالإحباط في كلمات تنضح بالخذلان، وتعكس شعورًا عميقًا بأن الأخوّة التاريخية لم تُترجم في لحظة الحاجة.
غير أن دروس التاريخ لا تخطئ: فالسيوف مهما اشتدت تصدأ، والذهب مهما لمع يفقد بريقه، أما صوت الشعوب فيبقى خالدًا، يحاكم المواقف ويكشف الصادق من المدّعي. وسيأتي اليوم الذي يُكتب فيه حكم واضح: من انحاز إلى العدالة، ومن استسلم لضغوط السيف وبريق الذهب.
