أبدأ مقالي هذا بالقول المتوافق علية وهو أن بناء الأوطان لا يبدأ ولا ينتهي بالعمران وبناء الصروح و سنّ للقوانين، بل هو بناء للروح وغرس عميق لمعاني الانتماء في وجدان الأجيال.
وهنا يبرز الدور الجوهري والرئيس للقيم الثقافية والاجتماعية بوصفهما الرافدين الأساسيين لتعميق التربية الوطنية وتحويل محبة التراب من مجرّد عاطفة عابرة إلى فعل مستدام ونهج حياة.
تبدأ الرحلة من القيم الثقافية لكونها الموروثات العميقة التي تتجسّد في لغتنا وفنوننا وقصص الأجداد، وفي كل نغمة تُردد تاريخنا ونطرب لها.
هذه القيم هي هويتنا الحصينة وهي التي تُعلمنا كيف نرى العالم من منظورنا الخاص _ وهذا ما يُولّد عندنا الشعور بالفخر والمجد.
_ عندما نستدعي قيمة الاعتزاز بالتاريخ الوطني و قيمة صون الإرث الحضاري ، فنحن لا نتذكر مجرد معلومات وحكايا تاريخية، بل نستلهم ذلك الرابط الروحي الغير قابل للانفصام بينه وبين التراب الذي يحتضن كل هذه الكنوز.. إنها الجذور التي تسقي نبات الانتماء وتمنح الهوية.
في المقابل تنهض القيم الاجتماعية لتُترجم هذا الحب الروحي إلى سلوكيات عملية في واقع حياتنا اليومية، فالتربية الوطنية لا تكتمل إلا باستدعاء قيم العدالة و الأمانة و المسؤولية المدنية والعمل الجماعي.
هذه القيم هي جسور التماسك وهي التي تضمن أن يكون حب الوطن ليس مجرد شعار فردي بل التزام مشترك بالارتقاء بالجميع.
فعندما يلتزم المواطن وكذا المُقيم بقيمة الإتقان في عمله و قيمة المحاسبة في تعامله مع الموارد العامة فهو بذلك يُمارس أعلى درجات المسؤولية والوطنية بإدراكه بأن محبة و رفعة الأوطان تبدأ من جودة الأداء الفردي ونزاهته.
استدعاء هذا المثلث متساوي الأضلاع (الثقافة _ المجتمع _ التربية) يحوّل مفهوم الوطن من خريطة إلى قضية أخلاقية _ وعندما تُصبح خدمة الوطن قيمة ثقافية والتزام اجتماعي فإنّ الاستقرار والنماء المستمر للدولة لا يكون مجرد هدف، بل مصير محتوم تُضيئه شُعلة الوفاء والإيمان بالمستقبل.

