لم يكن خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في أنقرة خطابا عاديا جاء أقرب إلى إعلان سياسي مكتمل الملامح يحدد طبيعة الصراع ويعيد تسمية الخصوم ويرسم خريطة التحالفات الإقليمية والدولية من جديد اختيار مبنى السفارة السودانية مكانًا للخطاب كان مقصوده وتضمن رسالة رمزية وهو أن الدولة السودانية تتحدث من بيتها و باسم سيادتها، لا من منصات الوساطة ولا غرف التسويات الرمادية. ويمكن تلخيص أهم ما جاء به علي النجوم الوالي:
أ . من خطاب الحرب إلى خطاب الدولة
أهم ما في الخطاب أنه نقل الصراع من كونه نزاعا داخليا مع ميلشيا متمردة إلى قضية دولة ذات سيادة تتعرض لعدوان خارجي مدار وممول عندما يقول البرهان صراحة إن المبادرة التي طرحها رئيس الوزراء هي ( مبادرة الدولة السودانية ) المجازة في مجلس الأمن والدفاع فهو يسحب البساط من أي محاولة لتصوير الحكومة كطرف ضعيف أو متنازع داخليا ويؤكد وجود مركز قرار واحد.
ب . تسمية الإمارات يعتبر كسر المحرم السياسي فللمرة الأولى وبهذا الوضوح يضع البرهان الإمارات في موضع الطرف غير المحايد لا الوسيط الاعتراف بأنه تحدث مع محمد بن زايد ووعده بوقف العدوان ثم لم يفِ ليس مجرد قصه بل إدانة سياسية وأخلاقية مباشرة الأخطر من ذلك قوله إن وفد الإمارات فشل في الدفاع عن موقفه أمام الرباعية في واشنطن
هنا تتبدى رسالة مزدوجة
1 . للإمارات سرديتكم انهارت دوليًا.
2 . وللمجتمع الدولي كيف يقبل وسيطا من ثبت تورطه؟
ح . رفض الهدنة نهاية مرحلة الضغوط الأخلاقية فحين يعلن البرهان أن لا هدنة ولا وقف إطلاق نار ما دامت الميلشيا موجودة في شبر واحد من السودان فهو يغلق بابا ظل يستخدم للضغط على الدولة باسم (الاعتبارات الإنسانية) بينما تستثمر الهدن لإعادة تسليح الميلشيا.
هذا الموقف لا يخلو من كلفة سياسية لكنه يعكس تحولا في ميزان الثقة العسكرية ويقول ضمنا الدولة لم تعد تقاتل دفاعا بل تخوض معركة حسم
د . خطاب التحدي من الدفاع إلى الهجوم الرمزي عبارة السودان مفتوح للجميع (تعالوا كان تقدروا) ليست موجهة للميلشيا وحدها بل لحلفائها الإقليميين هي لغة غير دبلوماسية لكنها مقصودة تعكس انتقال الخطاب الرسمي من موقع الاستجداء الدولي إلى موقع التحدي السيادي
كما أن قلب النصيحة من مطالبة الجيش بالاستسلام إلى مطالبة الميلشيا به يمثل انقلابًا نفسيًا في سردية الحرب.
هـ . تركيا من شراكة مؤجلة إلى تحالف استراتيجي إعلان أن العلاقة مع تركيا ستصبح (إستراتيجية وممتدة) ليس جديدًا في جوهره لكنه جديد في توقيته وحدته السودان هنا لا يبحث عن وساطة بل عن شريك دولة عسكريًا سياسيًا وربما اقتصاديًا في مرحلة ما بعد الحرب.
وإقحام السعودية مع تركيا في محاولة التأثير على ترامب يعكس قراءة دقيقة لمفاتيح القرار الأمريكي القادمة ويشير إلى أن الخرطوم بدأت تلعب على مسرح ما بعد بايدن.
و . دلالات الخطاب أين يقف السودان الآن؟
خطاب أنقرة يقول بوضوح:
لا تسوية مع ميلشيا،
لا وساطة لمن تلطخت يداه،
لا رهان إلا على الذات مع تحالفات محسوبة لا وصاية فيها.
إنه خطاب دولة قررت أن تدفع ثمن السيادة كاملًا بدل أن تقايضها بهدن هشة ومبادرات ملغومة.
ز . قد يختلف الناس حول نبرة الخطاب وحدته لكن ما لا يمكن تجاهله هو أنه خطاب مرحلة جديدة مرحلة خرج فيها السودان أو هكذا يريد أن يعلن من مربع الدفاع السياسي إلى مربع المواجهة المفتوحة عسكريًا، دبلوماسيًا ورمزيًا.
أنقرة ليست محطة خارجية بل منصة إعلان هذه حرب دولة لا أزمة حكم ومن أراد السلام، فليأتِ من باب الدولة لا من بوابة الميلشيا.
خطاب البرهان في أنقرة إعادة تعريف الخصومة وإعادة ترتيب الحلفاء .. بقلم مستشار/ هشام محمود سليمان
المقالة السابقة

