Popular Now

خطاب محمد حمدان دقلو في كمبالا ..قراءة من الضفة الأخرى .. بقلم/ د.محمد حسن فضل الله .. باحث بمركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام

وجه الحقيقة | عنتيبي… مسرح الاحتمالات الحرجة ؟ .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | نحو مواطنةٍ تشارك في تأهيل العودة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

خطاب محمد حمدان دقلو في كمبالا ..قراءة من الضفة الأخرى .. بقلم/ د.محمد حسن فضل الله .. باحث بمركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام

(١)
لم يكن خطاب محمد حمدان دقلو في كمبالا مجرد محطة عابرة في مسار الحرب، بل بدا كأنه محاولة لإعادة رسم صورته في مرآة الصراع. التوقيت ثقيل، والساحة مثقلة بالاستنزاف، غير أن الخطاب نفسه لم يأتِ بما يقلب الطاولة. بدا أقرب إلى تثبيت مواقع لا إلى فتح جبهات جديدة في الفكر أو السياسة. حرارة اللحظة كانت أعلى من حرارة الأفكار.
(٢)
الإسلاميون كانوا قلب الخطاب ونبضه العالي. لم يُذكروا بوصفهم خصمًا سياسيًا عاديًا، بل كجذر البلاء، وموقد الحرب، ومهندسي الفوضى. الهجوم كان صريحًا، متكررًا، خاليًا من المواربة. صوّرهم كمشروع يريد العودة من تحت الرماد، وكشبكة تختبئ خلف الدولة.
لكن اللافت أن كثافة الاتهام لم تُقابلها كثافة في التفصيل. كان الخطاب صاخبًا في توصيفه، هادئًا في تقديم الأدلة. وبين الصخب والهدوء، بقيت الفكرة معلقة في فضاء التعبئة.
(٣)
في البعد الإقليمي، جاءت الرسائل موزونة بميزان دقيق. الإمارات حظيت بإشادة واضحة، بلغة تقدير لا لبس فيها. السعودية لم تُنتقد مباشرة، لكن مسار جدة ذُكر بلهجة فيها ما يشبه العتب السياسي. أما الولايات المتحدة، فحضر اسمها عبر الإشارة إلى مبادرات دولية، في محاولة للتموضع ضمن خطاب عالمي يتقاطع مع فكرة مواجهة الإسلام السياسي.
كان الخطاب هنا يمشي على حبل مشدود؛ لا يريد أن يخسر أحدًا، ولا أن يصطدم بأحد، لكنه يريد أن يُسمع الجميع أنه حاضر في المعادلة.
(٤)
الخطاب كان قائمًا على ثنائية واضحة: نحن وهم. نحن السودان الجديد، نحن الهامش، نحن الذين نريد العدالة.
وهم المشروع القديم، وهم الاختطاف، وهم الخيانة.
هذه الثنائية تمنح المتحدث وضوحًا في المعسكر، لكنها تُغلق أبواب المساحات الرمادية. تجعل الصراع حادًا، مستقيمًا، بلا انحناءات. وحين تختفي الانحناءات، تختفي معها احتمالات التلاقي.
(٥)
لم يكن الخطاب بروتوكوليًا، ولم يرتدِ ربطة عنق رسمية في لغته. كان ارتجاليًا، حيًّا، عاميًا في مفرداته، مباشرًا في مخاطبته.
لم يُقرأ من ورقة، ولم يتكئ على نص مكتوب ظاهر. كان أقرب إلى حديث رجل يخاطب جمهوره وجهًا لوجه، لا إلى بيان دولة يُقرأ من منصة رسمية.
هذه العفوية أكسبته دفئًا شعبيًا، لكنها في الوقت ذاته جعلته أقل إحكامًا في البناء، وأكثر قابلية للتكرار.
(٦)
لغة الجسد بدت متيقظة، بل مشدودة…حركة اليدين عند الاتهام، تهدج الأنفاس عند ذكر الإسلاميين، انحناءة خفيفة عند الحديث عن السلام، توتر حين ذكر الرموز ..اسفاف حين الحديث عن الشخوص توقفات قصيرة لالتقاط الهتاف…كان الجسد يسبق أحيانًا الكلمات، ويضغط عليها أحيانًا أخرى.
القبضة المشدودة حينًا، والكف المفتوحة حينًا آخر، عكستا صراعاً داخلياً بين خطاب المواجهة وخطاب الطمأنة.
(٧)
أما الكلمات الأكثر تكرارا فكانت مفاتيح الخطاب: الإسلاميون، الخيانة، الدولة، السودان الجديد، السلام، الانتخابات.
الكلمات عادت مرة تلو أخرى، وكأنها مطارق تُطرق على ذات المعنى حتى يرسخ..غير أن الإكثار من الطرق قد يحوّل الرسالة من تأكيد إلى دوران، ومن تثبيت إلى اجترار.
(٨)
الحضور كان منسجماً، نوعياً ، أقرب إلى جمهور يعرف ما يريد أن يسمعه.الهتافات متجانسة، ولكنها باردة التفاعل متناغم، ولكنه مدجن لا أسئلة محرجة ولا اعتراضات ظاهرة.القاعة بدت مساحة تعبئة مسرحية أكثر منها ساحة اختبار مواقف … وهنا يبرز السؤال: هل كان الخطاب يخاطب السودان بكل أطيافه، أم كان يخاطب معسكره فقط؟
(٩)
في جانب الدين، بلغ التناقض مداه حين قدّم المتحدث نفسه صراحةً بوصفه أكثر شخص متدين، وكأن ميدان التدين قد أُغلق بعده، ولم يعد في الساحة من ينافسه في درجات القرب إلى السماء. هذا الإعلان الواثق لا يخلو من مفارقة ساخرة؛ فالتدين، في العادة، يُعرف بالتواضع لا بإعلان التفوق، وبالخشوع لا بالمفاضلة العلنية.
وفي اللحظة ذاتها، مضى في نقد تجربة تطبيق الشريعة في السودان، معتبرًا أنها لم تكن عدلا بقدر ما كانت غطاءً للسلطة، وأنها استُخدمت لتثبيت حكم لا لترسيخ قيم. واستدعى اسم محمود محمد طه بوصفه رمزا لاستغلال الدين في تصفية الخصوم، في إشارة مباشرة إلى لحظة تاريخية ظلّت مثار جدل عميق في الوجدان السوداني، ومغازلة واضحة لخطاب الحزب الجمهوري وأنصار الدولة المدنية.
وهنا تتكثف المفارقة: الأكثر تدينًا يقف لينتقد تجربة الشريعة، ويعيد فتح ملف إعدام محمود محمد طه بوصفه شاهداً على تسييس الدين… السؤال الساخر الذي يفرض نفسه إذا كان هو معيار التدين الأعلى، فكيف تُفهم هذه القطيعة مع التجربة التي رفعت ذات الشعار؟ وهل التدين هنا وصف شخصي مستقل عن تصور الدولة، أم هو عنوان رمزي يُستدعى حين يخدم اللحظة السياسية؟… الخطاب حاول أن يرسم خطًا فاصلًا بين التدين كقيمة فردية، وبين احتكار الشريعة كأداة حكم. لكنه في سعيه لذلك بدا وكأنه يقف في منطقة ضبابية؛ ينتقد تطبيق الشريعة دون أن يحدد بديلًا واضحًا، ويستحضر محمود محمد طه دون أن يحسم موقفه من العلاقة بين الدين والدولة.
وفي هذه الازدواجية تتولد صورة مشهدية لافتة رجل يعلن أنه الأكثر تدينًا، ثم يضع مسافة نقدية من التجربة التي ادّعت تمثيل الشريعة، فيتأرجح الخطاب بين اليقين الشخصي والغموض السياسي. وبين الإعلان والواقع، يبقى السؤال مفتوحاً. هل نحن أمام مراجعة فكرية عميقة، أم أمام إعادة تموضع تكتيكية بلغة دينية جديدة؟
(١٠)
ما لم يقله الخطاب صمت افصح من الكلام … احيانا لا يقاس الخطاب بما قيل فيه بل بما تجنب قوله ..وما لم يقله خطاب كمبالا كان حاضرا بثقله كظل طويل يمشي خلف الكلمات … لم تطرح خارطة طريق واضحة لليوم التالي للحرب لا جدول زمني لا مراحل انتقال لا تصور لاعادة بناء مؤسسات الدولة المستقبل ظهر كعنوان جذاب سودان جديد لكنه بقي بلا هندسة بلا تفاصيل بلا خرائط كأن البلاد ستستيقظ ذات صباح لتجد نفسها وقد تعافت تلقائيا فقط لان الشعار اعلن من فوق المنصة
الانتخابات ذكرت نعم لكنها ذكرت كفكرة معلقة في الهواء لم نسمع عن قانون ولا عن مفوضية مستقلة ولا عن بيئة امنة ولا عن ضمانات نزاهة ولا الانتخابات حضرت ككلمة مطمئنة لا كمشروع قابل للتنفيذ
اما الاقتصاد فكان الغائب الاكبر لا حديث عن اعادة الاعمار لا تصور لعودة الاستثمارات لا معالجة لانهيار الخدمات بلد خرج من حرب مدمرة يحتاج الى برنامج اسعاف اقتصادي مفصل لكن الخطاب اكتفى بالاشارة الى الموارد والذهب كأنها مفاتيح سحرية تنتظر من يلتقطها وكأن المشكلة كانت في النوايا لا في الادارة وفي الاشخاص لا في البنية
حتى ملف العدالة الانتقالية والمساءلة والمصالحة الوطنية مر مرورا عابرا لا حديث عن ولا عن كيفية تضميد الجراح ولا عن شكل الدولة الجامعة التي يراد بناؤها
بقي المستقبل وعدا عاما نبرة مرتفعة وايقاعا حماسيا لا جدولا محددا وبقيت الرؤية في مستوى الشعار لا في مستوى الخطة وكأن الخطاب كان مطمئنا الى ان رفع الصوت يغني عن رسم الطريق وان اعلان الغاية يكفي لاقناع الناس بان الوسيلة موجودة .. وفي النهاية كان الصمت عن التفاصيل ابلغ من كثرة الكلمات لان الفراغ حين يكون في ..موضع الرؤية لا يملؤه التصفيق ولا تغطيه الهتافات
(١١)
في الخلاصة، كان الخطاب ساذجا في لغته، حادا في اتهاماته، دافئا في مخاطبته، لكنه لم يكن حاسما في مشروعه … كان مشحونا بالطاقة، مليئا بالعبارات القاطعة، متخما بالثقة العالية، لكنه حين يصل الى السؤال البسيط ماذا بعد ؟ لا يقدم سوى صدى صوته… ثبت معسكره نعم، شد العصب، عمق الاستقطاب، اعاد رسم موقعه في معركة السرديات، لكنه لم يفتح نافذة جديدة للحل. لم يقدم طريقا مختلفا، بل اعاد تزيين الطريق القديم بلافتات جديدة. بدا وكأنه يخوض معركة الكلمات لا معركة الافكار، ويكسب التصفيق لا يكسب الخطة… هو خطاب يؤكد الهوية، لا يبتكر الرؤية. يرفع الصوت، لكنه لا يبدل الايقاع. يعدد الاخطاء، لكنه لا يقدم البديل. يشخص المرض بحماس، لكنه لا يكتب وصفة علاج… فكثرة الحديث عن السودان الجديد لم تترجم الى تصور محدد لهذا الجديد.
كثرة الحديث عن الانتخابات لم تتحول الى الية واضحة.
كثرة الحديث عن التهميش لم تنتج برنامج عدالة متكامل.
والاهم انه ظل اسير ثنائية نحن وهم، كأن السياسة لا تحتمل غير المعسكرات، وكأن الوطن لا يسع الا صفين متقابلين.
في النهاية بدا الخطاب اقرب الى استعراض قوة لفظية منه الى اعلان مشروع دولة.
اقرب الى تثبيت موقع في معركة سرديات، لا الى بناء جسر يعبر فوقها… بل اقرب الى وعد طويل بلا تفاصيل، منه الى خطة قصيرة واضحة…بل رفع السقف عاليا، لكنه لم يضع سلما يصعد اليه…بل اشعل المنصة بالكلمات، لكنه ترك المستقبل في العتمة.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | عنتيبي… مسرح الاحتمالات الحرجة ؟ .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *