هل فعلاً يتجه السودان إلى منطق الدولتين؟ سؤال يواجهنا اليوم في قلب وطن يصارع تامر دولى مكشوف، حيث تصارع الحكومة السودانية مليشيات متمرده تحاول أن توجد كيانًا موازيًا، أبرزها مليشيات الدعم السريع و حركة الحلو. واقع مفزع، يهدد وحدة السودان ، ويجعل كل خطوة خارجية، كل تحرك إقليمي، وقرار دولي، مسألة مصيرية للسودان وشعبه.لا يمكن قراءة زيارة وفد حميدتي إلى كمبالا بمعزل عن تاريخ يوغندا مع السودان. هذه الدولة لم تكن يومًا الشريك النزيه الذي يسعى لاستقرار السودان ووحدته، بل تصرفت وفق مصالح ضيقة أحيانًا على حساب الأمن القومي السوداني. من دعم مجموعات مسلحة في جنوب السودان، إلى تسهيلات لوجستية لأحزاب وحركات معارضة للحكومة المركزية، ظلّت أوغندا تتصرف ضد مصالح السودان الوطنية. وما يحدث اليوم ليس إلا استمرارًا لهذه السياسة، لكن في مرحلة أكثر خطورة: استقبال وفود تحالف “تأسيس” يمنح شرعية سياسية لقوى مسلحة رفضتها كل دول العالم ، ويكرّس واقعًا ميدانيًا مشوهًا يهدد مستقبل الدولة.
في مواجهة هذا التحدي، يبرز دور القوات المسلحة والقوات المساندة لها فى كردفان، فقد استطاع الجيش تحقيق تقدم كبير واستعاد السيطرة على مساحات واسعة، عاكسًا كفاءة تخطيطه وصلابة عزيمته. لكن التفوق الميداني وحده لا يكفي، فهو يحتاج إلى دعم سياسي ودبلوماسي مستمر. الاستراتيجية الوطنية يجب أن تقوم على قاعدة مزدوجة: الضغط العسكري لاستعادة الأرض والهيمنة على مناطق النزاع، إلى جانب بناء تحالفات إقليمية ودولية تحافظ على الشرعية وتمنع أي اعتراف خارجي بالقوى الموازية.
مع تعزيز دور الشعب السوداني، الذي يرفض على نحو قاطع المليشيا ويقاتلها ويقف ضد بطشها وسياساتها الانفصالية. التعبئة الشعبية والموقف الوطني الموحد يمثلان جدارًا معنويًا وسياسيًا يمنع أي محاولة لإضفاء شرعية خارجية على القوى الموازية. أي استراتيجية ناجحة يجب أن تضع الشعب في قلبها، مع إبراز الحقائق على الأرض بما فيها الجرائم التي ارتكبتها مليشياالدعم السريع المتمردة من عمليات تهجير وقتل إلى نهب ممنهج للبنية التحتية. وهى جرائم ليست حوادث عابرة، بل سياسات ممنهجة تهدف إلى فرض واقع مشوه على الأرض. هذه الانتهاكات تشكل دليلاً دامغًا على طبيعة المليشيا وأهدافها التدميرية. إن تجاهل هذه الجرائم أو محاولة تمريرها يفتح الباب أمام منطق الدولتين، ويضعف أي جهود لإعادة بناء الدولة الموحدة.
في مواجهة هذا المشهد، لا يمكن للحكومة السودانية أن تكتفي بالدفاع. المطلوب استراتيجية هجومية شاملة تجمع بين القوة الميدانية والتحالفات الإقليمية والدعم الشعبي و الضغط العسكري المستمر لاستعادة الأرض وقطع خطوط إمداد المتمردين. و
التحالف الإقليمي مع دول الإقليم لفضح المخططات الأجنبية ومنع أي اعتراف بالقوى المتمردة الموازية.
تواصل دبلوماسي مستمر مع المجتمع الدولي، خصوصًا الولايات المتحدة والسعودية، لإعادة تعريف الواقع، وتعبئة الشعب لإظهار رفض الشعب ومقاومته للمليشيا، وتعزيز الثقة في قواته المسلحة والحكومة والموازنة بين الميدان والدبلوماسية.
نجاح هذه الاستراتيجية يعتمد على إدراك معادلة حرجة وهى مزاوجة التفوق العسكري مع التماسك الوطنى وتحويله إلى مكاسب سياسية، وأن يكون التواصل الدبلوماسي مترافق مع مساندة الشعب السوداني ودعم إقليمي مستمر. أي تراجع عن هذا المزيج يعيد السودان إلى سيناريو الوضع المشوه: مناطق تحت سيطرة ميليشيا، حكومة مركزية بلا قدرة كاملة وشعب مضطرب بين سلطة الشرعية وسلطة الواقع الميداني.
الطريق الوحيد لوحدة السودان
السودان اليوم أمام مفترق طرق إما قبول الوضع المشوه، أو اعتماد استراتيجية هجومية متكاملة. الخيار الثاني يتطلب فرض الدولة الموحدة على الأرض والسياسة:
— ملاحقة الانتهاكات والجرائم داخليًا ودوليًا.
— استغلال محور إقليمي موثوق لدعم الشرعية.
— تعبئة الشعب ليكون قوة حاسمة في أي تسوية.
بهذا النهج، يمكن للجيش والحكومة والشعب معًا أن يوقفوا مسار الانقسام، ويحافظوا على السودان كدولة واحدة، قوية وموحدة، لا مجرد مساحة جغرافية تحت رحمة مليشيا مسلحة وتحركات خارجية مضرة.


