مدخل تحليلي: السودان كساحة تقاطع استراتيجي
لم تعد الحرب السودانية مجرد صراع داخلي على السلطة، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مشاريع إقليمية ودولية. فموقع السودان الجغرافي بين البحر الأحمر وعمق إفريقيا، وامتلاكه موارد طبيعية ومساحات زراعية شاسعة، جعلاه ساحة جذب لقوى تسعى لترسيخ نفوذ طويل المدى، لا مجرد تأثير مرحلي.
أولاً: خريطة اللاعبين… من يدير المشهد؟
يمكن تقسيم الفاعلين في الصراع إلى ثلاثة مستويات:
1. المستوى الإقليمي المباشر
يشمل دول الجوار والقوى القريبة التي ترى في استقرار السودان أو ضعفه مسألة أمن قومي. أبرزها مصر وإثيوبيا، حيث يرتبط موقفهما بمعادلات الحدود ومياه النيل.
2. المستوى الإقليمي غير المباشر
ويضم قوى تسعى للنفوذ الاقتصادي والعسكري عبر دعم أطراف داخلية، مثل الإمارات وقطر وتركيا، وكل منها يتحرك وفق حسابات النفوذ والموانئ والاستثمارات.
3. المستوى الدولي
تمثله قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وروسيا التي تنظر للسودان كجزء من صراع أوسع على البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
ثانياً: لماذا أصبح السودان محور تنافس؟
السبب لا يعود للحرب نفسها، بل لما تمثله نتيجتها. فحسم الصراع سيحدد:
شكل النظام السياسي القادم.
اتجاه التحالفات الخارجية.
مصير الموانئ والممرات البحرية.
خريطة الاستثمارات والموارد.
بمعنى آخر: المنتصر داخلياً سيحدد المنتصر خارجياً.
ثالثاً: أدوات النفوذ المستخدمة
القوى المتنافسة لا تتحرك بأسلوب واحد، بل عبر منظومة أدوات متكاملة:
دعم سياسي ودبلوماسي لأطراف معينة.
تمويل مباشر أو غير مباشر.
ضغط عبر المنظمات الدولية.
حملات إعلامية موجهة.
وساطات ظاهرها سلام وباطنها إعادة تموضع.
هذه الأدوات تجعل الحرب تبدو محلية في الشكل، لكنها إقليمية في الجوهر.
رابعاً: معركة البحر الأحمر الخفية
البحر الأحمر أصبح أحد أهم محاور التنافس العالمي، والسودان يمتلك أطول ساحل عليه بعد السعودية. لذلك فإن أي سلطة تحكم الخرطوم ستؤثر مباشرة على توازنات الملاحة والطاقة والتجارة الدولية.
لهذا السبب، فإن الصراع حول السودان ليس منفصلاً عن التنافس على الممرات البحرية، بل جزء منه.
خامساً: صراع النفوذ لا يريد حسم الحرب سريعاً
القاعدة الاستراتيجية المعروفة تقول:
القوى المتنافسة تفضّل الصراع المُدار على الحسم السريع.
فالحرب الطويلة تمنح اللاعبين الخارجيين وقتاً لتثبيت نفوذهم، بينما يفرض الحسم المفاجئ واقعاً قد لا يخدم مصالحهم. ولهذا تظهر أحياناً مبادرات سلام متزامنة مع تحركات ميدانية تزيد التصعيد، في مفارقة تعكس تعدد غرف القرار.
سادساً: هل يتحول السودان إلى ساحة تصفية حسابات؟
المؤشرات الحالية تشير إلى أن خطر “تحويل السودان إلى مسرح صراع نفوذ دائم” قائم، خاصة إذا استمرت المعادلة التالية:
انقسام داخلي + تدخل خارجي = صراع طويل الأمد
وهذه المعادلة هي نفسها التي أطالت أزمات دول عديدة في المنطقة.
الخلاصة الاستراتيجية
الصراع الدائر ليس فقط على حكم السودان، بل على موقعه في النظام الإقليمي القادم. ويمكن تلخيص المشهد في معادلتين متقابلتين:
المعادلة الأولى:
دولة سودانية قوية = توازن إقليمي جديد.
المعادلة الثانية:
سودان ضعيف = ساحة نفوذ مفتوحة.
بين هاتين المعادلتين تتحرك القوى الدولية والإقليمية، فيما يبقى العامل الحاسم في النهاية هو قدرة الداخل السوداني على إنتاج مشروع دولة موحدة يحسم معركة النفوذ من جذورها.
سلسلة الحرب على السودان .. المقال (67) .. صراع النفوذ على أرض السودان: حرب بالوكالة أم إعادة رسم خريطة الإقليم؟ .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبدالمحمود
المقالة السابقة


