تمهيد: حين تتقدّم الشركات على الدول
لم تعد الجيوش وحدها تصنع النفوذ في النظام الدولي المعاصر، بل تقدّمت شركات النفط والطاقة العابرة للقارات لتصبح اللاعب الأخطر والأكثر تأثيرًا. ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، خرج هذا الدور من الظل إلى العلن، حيث جرى التعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها امتدادًا مباشرًا لمصالح الطاقة، لا لمبادئ القانون الدولي أو القيم المعلنة.
أولًا: النفط… اللغة الحقيقية للسياسة العالمية
في عالم الصفقات، لا تُدار الأزمات عبر البيانات الدبلوماسية، بل عبر خرائط الحقول وخطوط الأنابيب. النفط هنا ليس موردًا اقتصاديًا فحسب، بل أداة سيطرة، ومن يمتلك القدرة على التحكم في الإنتاج والتصدير، يفرض شروطه دون أن يخوض حربًا مباشرة.
ترامب فهم هذه القاعدة جيدًا، فجعل من الطاقة بوصلته الأساسية في تحديد من يُحاصَر، ومن يُستثنَى ومن تُفتح له أبواب التفاهم.
ثانيًا: شركات النفط العابرة للقارات… الدولة العميقة الحقيقية
لم تكن شركات النفط في عهد ترامب مجرد جماعات ضغط، بل تحولت إلى فاعل سيادي غير معلن:
تؤثر في القرارات السياسية،
تضغط لتشديد أو تخفيف العقوبات
وتشارك في رسم سياسات التدخل وعدم التدخل.
هذه الشركات لا ترفع أعلامًا، لكنها تُغيّر مصائر دول، وتُعيد رسم خرائط نفوذ، وتربح في كل السيناريوهات.
ثالثًا: فنزويلا… الدولة التي تحوّلت إلى عقد امتياز
في فنزويلا، تلاقت شهية شركات النفط مع سياسة العقوبات والضغوط القصوى. لم يكن استهداف كاراكاس مرتبطًا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل بسؤال جوهري:
من يسيطر على أكبر احتياطي نفطي في العالم؟
الهدف لم يكن إسقاط النظام فقط، بل إعادة توزيع الامتيازات النفطية وتحويل الدولة من كيان سيادي إلى مساحة تفاوض اقتصادي مفتوحة أمام الشركات الأميركية.
رابعًا: العراق… حين موّلت شركات النفط الفوضى
يُعدّ العراق المثال الأوضح على كيفية تعامل شركات النفط مع الحروب بوصفها استثمارًا طويل الأمد. فبرغم خسارة واشنطن آلاف الجنود خلال الغزو والاحتلال، لم يكن ذلك عبئًا على مراكز القرار الاقتصادي؛ فالجندي، في هذا المنطق، رقم يمكن تعويضه، ودولة التجنيس قادرة على إنتاج بدائل بشرية بلا حدود.
الأخطر أن التدمير كان انتقائيًا ومدروسًا:
دُمِّرت مؤسسات الدولة، والجيش، والتعليم، والبنية التحتية، بينما بقيت وزارة النفط ومؤسساتها سالمة وفعّالة. لم يكن ذلك مصادفة، بل تعبيرًا فاضحًا عن أولوية النفط على الدولة، والعقد على السيادة. هكذا دُمِّر العراق كدولة، وبقي نفطه حيًا يخدم السوق العالمية.
خامسًا: الخليج… النفط مقابل الحماية
في الخليج، بدت الصفقة أكثر وضوحًا:
حماية أمنية مقابل استقرار الإمدادات النفطية.
لم تُخفِ إدارة ترامب أن بقاء المظلة الأمنية الأميركية مرتبط بحجم الإنتاج، واستمرار الاستثمارات، والعقود الضخمة مع شركات الطاقة والسلاح.
التحالفات هنا لا تُقاس بالتاريخ أو القيم، بل بعدد البراميل وقدرة الحلفاء على الدفع.
سادسًا: أفريقيا… القارة الصامتة في صفقات الطاقة
من ليبيا إلى نيجيريا، ومن القرن الأفريقي إلى خليج غينيا، تمثل أفريقيا ساحة واعدة لشركات النفط. وفي منطق الصفقات:
تُغذّى الصراعات لإضعاف الدولة
تُفرض الوصاية عبر العقود
ويُعاد إنتاج النخب بما يخدم مصالح الطاقة
لذلك، لا يمكن فصل الأزمات السياسية في القارة عن التنافس الدولي على الموارد، حيث تُدار النزاعات بعيدًا عن الأضواء، وتُحسم على طاولات الشركات لا في قاعات الأمم المتحدة.
سابعًا: إيران… العقوبات على النفط واختبار تماسك الدولة
في الحالة الإيرانية، استخدمت واشنطن العقوبات النفطية كأداة إدارة سوق لا إسقاط نظام. فكل برميل إيراني مُقيَّد يفتح المجال لبدائل، ويمنح شركات النفط الكبرى قدرة أكبر على التحكم في التسعير والتدفقات.
أما الضربات والهجمات المنسوبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فلم تكن تهدف إلى حرب شاملة، بل إلى اختبار قوة الدولة الإسلامية وتماسكها الداخلي:
قدرة الردع، مرونة المؤسسات، وحدود الاحتمال الشعبي. والنتيجة أكدت أن إيران، رغم الضغوط، ما زالت متماسكة، ما عزّز خيار الضغط المحسوب بدل الحرب المفتوحة.
ثامنًا: من العقوبات إلى العقود… كيف تُدار السيطرة
في منطق شركات النفط، لا تُعدّ العقوبات نهاية المسار، بل مرحلة تمهيدية.
تُفرض العقوبات لإضعاف الدولة، ثم تُفتح نافذة التفاوض، لتدخل الشركات بعقود “إعادة الإعمار” و“الاستثمار”، فتتحول الخسارة الوطنية إلى ربح خاص.
هكذا تُستبدل السيادة بالعقود، وتتحول الأزمات إلى فرص استثمارية.
تاسعًا: لماذا لا تخسر شركات النفط؟
لأنها:
تعمل فوق الحدود،
تتكيّف مع تغيّر الإدارات،
وتربح في الحرب كما في السلام،
تسقط حكومات، تتغير أنظمة، لكن شركات النفط تبقى، تغيّر الشركاء لا المصالح، وتعيد كتابة الشروط متى ما تبدّل ميزان القوة.
خاتمة: عالم تحكمه الشركات لا الشعوب
تكشف تجربة ترامب أن العالم يتجه نحو نموذج جديد من الهيمنة:
هيمنة بلا احتلال، وسيطرة بلا أعلام، وحكم بلا مسؤولية سياسية مباشرة.
وفي هذا النموذج، تصبح شركات النفط هي اللاعب الأقوى، تُدير الصفقات، تُشعل الأزمات، ثم تدخل وسيطًا في الحل لتحصد الأرباح في كل الأحوال.
📧 alzomzami.analysis@gmail.com

