مقدمة: أزمة سدّ النهضة بين التنمية والتهديد الوجودي
تعدّ قضية سدّ النهضة الإثيوبي الكبير واحدة من أكثر الملفات حساسية في القرن الأفريقي والمنطقة العربية، ليس فقط لأنّها تتعلق بمورد حيوي هو مياه نهر النيل، بل لأنها تمس الأمن القومي والاستقرار السياسي والاقتصادي لدول الحوض، وعلى رأسها مصر والسودان من جهة، وإثيوبيا من جهة أخرى.
وتعكس صراعات السنوات الماضية الجمود في التفاوض، وعجز الوساطات الأفريقية والدولية، قبل أن تعود القضية إلى أجندة واشنطن من جديد، مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب استعداده لاستئناف الوساطة الأميركية لحل النزاع المائي. �
الجزيرة نت +١
أولًا: جذور النزاع… من التنمية إلى الهيمنة على المياه
بدأت أزمة سدّ النهضة قبل أكثر من عقد، حين شرعت إثيوبيا في بناء السد على نهر النيل الأزرق، بهدف توليد الطاقة وبدء مسيرة تنموية واسعة. إلا أن هذه الخطوة أثارت قلق مصر والسودان، لأنهما يعتمدان بشكل كبير على مياه النيل في الزراعة والشرب والطاقة.
ورغم سنوات المفاوضات، فإن عدم اتفاق قانوني ملزم يؤسس لتقاسم المياه تحت قواعد واضحة ظلّ العائق الأهم، حتى بعد إكمال إثيوبيا بناء السد وبدء تشغيله. �
Mada Masr
ثانيًا: موقف ترامب… من اللامبالاة إلى الوساطة الصريحة
في السنوات الماضية، بدا الملف ثانويًا في الأجندة الأميركية، لكن مع دخول دونالد ترامب الحلبة مجددًا، أعادته واشنطن إلى الطاولة السياسية، بإعلان رسمي عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين القاهرة وأديس أبابا، لحلّ النزاع بشكل نهائي ومستدام. �
Anadolu Ajansı
وفي رسالة رسمية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشار ترامب إلى أهمية إدارة مسألة تقاسم مياه نهر النيل “بمسؤولية ووضع أسس لا تضرّ دولة دون أخرى”، مؤكدًا إدراكه العميق “للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر وشعبها”. �
مصراوي.كوم
هذه المبادرة التي وصفها مسؤولون بأنها “فرصة تاريخية” لإيجاد حل، تأتي في وقت يتصاعد فيه الجمود في المفاوضات بعد سنوات من التعثر، وقد أثارت ردود فعل مختلفة في القاهرة وأديس أبابا والخرطوم. �
الجزيرة نت
ثالثًا: الموقف المصري… تأكيد الحقوق والمصالح
رحّب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بجراءة مبادرة ترامب، مؤكدًا “أهمّية مياه النيل ووضعها في مركز السياسة المصرية”، وأن القاهرة مستعدة للتعاون الجاد والبناء مع كل الأطراف، وفق مبادئ القانون الدولي، بهدف تحقيق مصالح مشتركة دون الإضرار بأي طرف. �
جريدة الجريدة الكويتية
في القاهرة، يرى كثيرون أن إدراج واشنطن في الوساطة يمثل “اعترافًا دوليًا بثقل الدور المصري في إدارة الأزمات الإقليمية، وأهمية قضيتها المائية”، وأن الرسالة الأمريكية تحمل مؤشرات قوية على إدراك عالمي لأهمية حماية حصة مصر من مياه النيل. �
اليوم السابع
وتلوّح مصر أيضًا بمطالبة إثيوبيا بـتعويضات عن الأضرار المائية التي لحقت بها جراء تعبئة وتشغيل السد من دون اتفاق ملزم يعالج تبعات تقاسم المياه بشكل قانوني متوازن. �
الجزيرة نت
رابعًا: الموقف السوداني… ترحيب وتعاون مشروط
رحّب السودان رسميًا بمبادرة ترامب، ممثّلًا في رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، مع التأكيد على دعم المبادرات التي تضع الحوار البناء في صلب الحل لضمان حقوق دول المصب من مياه النهر. �
dostor.org
الخرطوم ترى أن وإيجاد حل عادل متوازن لا يمكن أن يتم بمعزل عن مصالح السودان، الذي يعاني تبعات تقلبات المناخ واحتياجاته المائية والزراعية، وأن أي حل يجب أن يحقق “تعاونًا حقيقيًا لا يخضع لإملاءات أحادية”.
خامسًا: الموقف الإثيوبي… رفض الشرط الواحد
حتى لحظة كتابة هذه الحلقة، لم تصدر إثيوبيا موقفًا مفصلًا عن عرض الوساطة الأمريكي في يناير 2026، إلا أن أوقاتًا سابقة شهدت تكرارًا لرفض إثيوبيا اعتبار التمويل أو التحكم الأجنبي شرطًا في سياستها تجاه السد، مع التأكيد أن المشروع “حلّ محل الاعتماد على الطاقة التقليدية، وأنه أداة تنموية لا يمكن إلغاؤها”. �
جريدة المدينة
أديس أبابا تعتبر أن بناء السد وإكماله حق سيادي في إطار جهود التنمية، وتؤكد مرة بعد أخرى أنها لا تسعى إلى الإضرار بمصالح دولتي المصب، بل تطالب بنهج تفاوضي متوازن يحفظ حقوق كل الأطراف.
سادسًا: فشل سابق وجمود تفاوضي
قبل دخول ترامب مجددًا على خط الوساطة، مرت سنوات طويلة من التفاوض المتعثر بين الدول الثلاث، وإن كان هناك مراحل من الاجتماعات والمقترحات، فإن عدم التوصل إلى اتفاق شامل قبل افتتاح السد في سبتمبر 2025 كان أبرز دلائل فشل الوساطات السابقة. �
الجزيرة نت
وفي أحيان كثيرة، اتهمت مصر وإثيوبيا بعضهما بالاستفادة من التفاوض كغطاء لتعزيز مواقع واقعية على الأرض دون تسوية صارمة لآليات تشغيل السد والتحكم في تدفق المياه المستقبلية. �
Middle East Monitor
خاتمة: الوساطة الأميركية… مسار جديد أم تكرار للخلاف؟
عودة الولايات المتحدة إلى دور الوسيط في أزمة سدّ النهضة تمثّل تحوّلًا مهمًا في مسار الأزمة، بعد سنوات من الجمود، وهي فرصة يمكن أن تُحدث تغييرًا في ديناميكية العلاقات بين الدول الثلاث، إذا ما تم التعامل معها بواقعية ومرونة سياسية.
لكن الأهم هو أن الأزمة لم تبق قضية فنية بين مهندسين وخبراء مياه فقط، بل أصبحت جزءًا من لعبة النفوذ الجيوسياسي الكبرى، حيث تلتقي مصالح الأمن القومي المصري، وطموحات التنمية الإثيوبية، ومصالح السودان المائية والزراعية، مع مصالح الولايات المتحدة في إعادة دورها كـوسيط إقليمي فعال.
إن مسار المبادرة الأميركية لا يزال في بداياته، وهو إما أن ينجح في إنجاز اتفاق قانوني ملزم ومتكامل يحقق مصالح الأطراف، أو أن يعيد إنتاج الخلاف في قالب أكثر تعقيدًا إذا ما فشل في وضع أساسات تفاهم مشتركة.
📧 alzomzami.analysis@gmail.com

