تمهيد استراتيجي
لم يعد مسار الحرب في السودان محكومًا بالعوامل الداخلية وحدها، بل أصبح مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بخريطة التحالفات الإقليمية والدولية. فالصراعات المعاصرة، خصوصًا ذات الطبيعة المركّبة، تتحدد نتائجها بقدر ما يُحسم في العواصم المؤثرة كما يُحسم في الميدان. وعليه، فإن فهم شبكة الاصطفافات الخارجية أصبح شرطًا أساسيًا لفهم اتجاهات الحرب.
أولًا: معسكرات التأثير الخارجي
محور دعم الدولة ومؤسساتها
تميل عدة قوى إقليمية ودولية إلى دعم بقاء مؤسسات الدولة السودانية باعتبارها الضامن الوحيد للاستقرار ومنع التفكك، ومن أبرز هذه الأطراف:
مصر — ترى أن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من أمنها القومي.
السعودية — تركز على استقرار البحر الأحمر ومنع الفوضى الإقليمية.
الولايات المتحدة — تعمل على منع انهيار الدولة وتوسّع الصراع.
هذا المحور يعتمد أساسًا على أدوات الضغط السياسي والدبلوماسي أكثر من اعتماده على الدعم العسكري المباشر.
محور الاتصالات والدعم غير المباشر
ترتبط تقارير وتحليلات متعددة باسم الإمارات بوصفها طرفًا فاعلًا في توازنات الصراع عبر علاقات غير مباشرة مع قوات الدعم السريع.
غير أن المؤشرات الأخيرة توحي بأن هذا الدور يواجه ضغوطًا سياسية متزايدة، ما قد يحد من تأثيره في المرحلة المقبلة.
ثانيًا: دور المنظمات الإقليمية
تلعب المؤسسات متعددة الأطراف دورًا في إدارة الأزمة ومنع انفجارها إقليميًا، ومن أبرزها:
الاتحاد الأفريقي — يسعى إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة السودان.
إيغاد — تعمل كمنصة وساطة إقليمية.
القاسم المشترك بين هذه الجهات هو السعي إلى احتواء الصراع لا ترجيح طرف، لأن أي انتصار حاسم قد يخلّ بتوازنات إقليمية حساسة.
ثالثًا: لماذا العامل الخارجي هو الحاسم؟
التجارب التاريخية للحروب الداخلية تُظهر أن الحسم لا يحدث غالبًا إلا بعد تغير في موقف داعم خارجي. وتوجد ثلاث آليات رئيسية لذلك:
توقف الدعم عن أحد الأطراف
ضغط دولي منسّق
تغير موقف دولة راعية للصراع
أي تحوّل في أحد هذه العوامل يمكن أن يقلب ميزان الحرب خلال فترة قصيرة.
رابعًا: مؤشرات تحوّل البيئة الدولية
تُظهر القراءة التحليلية للمواقف الدولية عدة إشارات متزامنة:
تزايد الدعوات للحلول السياسية
ارتفاع مستوى الضغوط الدبلوماسية
تراجع الحماس لدعم أي طرف عسكريًا
هذه المؤشرات عادةً ما تظهر عندما تبدأ القوى الخارجية في التحضير لمرحلة ما بعد الحرب.
خامسًا: السيناريوهات المرتبطة بالتحالفات
السيناريو (أ): إعادة اصطفاف دولي
إذا توصلت القوى المؤثرة إلى تفاهمات مشتركة، فقد تُفرض تسوية سريعة حتى دون حسم ميداني كامل، لأن التوافق الدولي غالبًا ما يختصر زمن الحروب الداخلية.
السيناريو (ب): انهيار دعم خارجي — مؤشرات تحقّق جزئي
توجد إشارات على أن هذا المسار بدأ بالفعل، في ظل ضغوط إقليمية متصاعدة على الجهات المتهمة بدعم أحد أطراف الصراع، خصوصًا في سياق تنافس نفوذ يمتد إلى ساحات مثل اليمن والصومال.
يؤثر توقف الدعم الخارجي عن قوات الدعم السريع تأثيرًا مباشرًا في قدرتها العملياتية، إذ يؤدي إلى تراجع الإمداد اللوجستي، وانخفاض وتيرة العمليات القتالية، وتآكل القدرة على الاحتفاظ بالمناطق، وهو ما يسرّع انتقال ميزان القوة لصالح الطرف المقابل.
اتساع نطاق التنافس الإقليمي يعني أن أي تصعيد سياسي بين القوى المؤثرة قد ينعكس فورًا على مستوى الدعم، وبالتالي على مسار الحرب.
السيناريو (ج): صراع نفوذ ممتد
إذا استمر التنافس بين القوى الإقليمية دون حسم، فقد يطول أمد الحرب نتيجة توازن الضغوط والدعم، بحيث لا يُسمح لأي طرف بتحقيق انتصار نهائي.
سادسًا: القراءة الجيوسياسية العميقة
السودان ليس مجرد ساحة نزاع داخلي، بل نقطة التقاء لمصالح استراتيجية تشمل:
طرق التجارة العالمية
أمن البحر الأحمر
توازنات القرن الإفريقي
الموارد الطبيعية
لذلك فإن أي تغير في ميزان القوى داخله ينعكس مباشرة على حسابات القوى الإقليمية والدولية.
التقدير الاستراتيجي النهائي
العامل الخارجي يظل المفتاح الحقيقي لتوقيت نهاية الحرب.
فإذا تغيرت مواقف القوى المؤثرة، قد ينتهي الصراع بسرعة حتى لو استمرت الاشتباكات ميدانيًا.
في الحروب الداخلية الحديثة
النهاية تُصنع سياسيًا بقدر ما تُصنع عسكريًا.
سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي رقم (3) — النسخة النهائية .. التحالفات الخارجية وتأثيرها المباشر على توقيت نهاية الحرب .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الافريقي
المقالة السابقة


