مدخل تحليلي: تحوّل ميزان التأثير
لم يعد المشهد السوداني اليوم أسير الفوضى الإقليمية المفتوحة كما كان في بدايات الحرب، بل بات يتجه ــ ولو بحذر ــ نحو إعادة تشكيل موازين النفوذ. فالتطورات الأخيرة، من القاهرة إلى واشنطن، تشير إلى أن مشروع العبث الإقليمي الذي قادته أبوظبي عبر وكلائها في المنطقة يواجه انتكاسة استراتيجية واضحة، بعد أن اصطدم بجدار الشرعية الدولية، ورفض المؤسسات، وتبدل أولويات القوى الكبرى.
إن السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم:
هل بدأ مسار سلام السودان فعلياً بعد كبح جماح أبوظبي وتحجيم أدواتها في اليمن والصومال والسودان؟
فشل المغامرة الإماراتية: حين سقط الرهان على الفوضى
راهنت الإمارات على تفكيك الدول عبر دعم المليشيات، وإضعاف الجيوش الوطنية، وصناعة كيانات موازية للشرعية. غير أن هذا الرهان بدأ يتهاوى على ثلاث جبهات رئيسية:
في اليمن: انكشاف المشروع التخريبي بعد تراجع نفوذ الأدوات المسلحة.
في الصومال: عودة الدولة الصومالية لفرض سيادتها ورفض الوصاية.
في السودان: سقوط مشروع “حكومة تأسيس” ككيان بلا اعتراف دولي، ولا غطاء قانوني، ولا قبول شعبي.
لقد تحولت المغامرة الإماراتية من مشروع نفوذ إلى عبء سياسي وأخلاقي على رعاته، مع تصاعد الوعي الإقليمي بخطورة تفكيك الدول لصالح مليشيات عابرة للحدود.
اجتماع القاهرة: هل نحن أمام سيناريو سلام؟
شكّل اجتماع القاهرة محطة مفصلية في مسار الأزمة السودانية، ليس فقط من حيث مضمونه، بل من حيث رمزيته السياسية. فالقاهرة ــ بثقلها التاريخي والاستراتيجي ــ بعثت رسالة واضحة:
السودان دولة، لا ساحة تجارب.
ورغم محاولات التشويش على مخرجات الاجتماع، إلا أن جوهره يعكس انتقال النقاش من إدارة الحرب إلى هندسة السلام، عبر:
– التأكيد على وحدة السودان.
– دعم مؤسسات الدولة الشرعية.
– رفض أي مسارات موازية تفرضها المليشيات.
وهنا يتقاطع المسار المصري مع الرؤية الأمريكية الجديدة تجاه السودان.
مسعد بولس يفجّر المفاجأة: اعتراف كامل بشرعية الدولة
في تطور سياسي بالغ الأهمية، أعلن المستشار الأمريكي مسعد بولس بوضوح:
الاعتراف الكامل بمؤسسات الدولة السودانية.
الاعتراف بمجلس السيادة.
دعم دور الجيش في حفظ استقرار الدولة.
رفض أي اعتراف بحكومة “تأسيس” أو أي كيان موازٍ.
وهو إعلان يُسقط عملياً الرهان على شرعنة الميلشيا، ويعيد الصراع إلى مربعه الصحيح: صراع بين دولة وميلشيا، لا بين طرفين متكافئين.
واشنطن والقاهرة: توافق استراتيجي لا ظرفي
التقاطع الأمريكي المصري حول السودان لم يعد مجرد تنسيق دبلوماسي، بل تحول إلى توافق استراتيجي يقوم على ثلاث ركائز:
– حماية الدولة السودانية من التفكك.
– منع تحول السودان إلى نموذج فوضى إقليمي.
– تحجيم نفوذ المشاريع التخريبية العابرة للحدود.
وهذا التوافق يعكس إدراكاً عميقاً بأن استقرار السودان جزء لا يتجزأ من استقرار الأمن القومي العربي والأفريقي.
إغلاق مطار الكفرة: رسالة حفتر للميلشيا
قرار خليفة حفتر إغلاق مطار الكفرة أمام الميلشيا لم يكن إجراءً تقنياً، بل رسالة سياسية حاسمة، مفادها أن زمن استخدام ليبيا كعمق لوجستي للفوضى السودانية قد انتهى.
وتزامن ذلك مع تحذير مصري شديد اللهجة لحفتر، ما يؤكد أن القاهرة تمسك اليوم بخيوط التوازن الإقليمي بحسابات دقيقة، تمنع الانزلاق إلى فوضى إقليمية شاملة.
ارتباك معسكر الميلشيا: خطاب مرتبك وشرعية مفقودة
انتقاد مستشار حميدتي لاجتماع القاهرة يعكس حالة ارتباك سياسي حاد داخل معسكر الميلشيا، بعد أن فقدت أهم أوراقها:
– لا اعتراف دولي.
– لا غطاء قانوني.
– لا حاضنة إقليمية مستقرة.
وبالتالي تحوّل الخطاب من مشروع “بديل للدولة” إلى مجرد اعتراض إعلامي بلا تأثير سياسي.
الهدنة الإنسانية: اختبار النوايا
الإعلان عن توافق على بدء هدنة إنسانية يمثل اختباراً حقيقياً لصدق الأطراف. فالهدنة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل مؤشر على الاستعداد للانتقال من منطق السلاح إلى منطق السياسة غير أن نجاحها مرهون بإرادة حقيقية لوقف استغلال المدنيين كورقة ضغط عسكرية.
خلاصة المشهد: السودان يقترب من مفترق تاريخي
السودان اليوم يقف عند مفترق طرق:
– إما أن يُستثمر التحول الدولي والإقليمي لصالح مسار سلام حقيقي.
-أو يُترك المجال مجدداً لمشاريع التخريب لإعادة تدوير الفوضى.
غير أن المعطيات الحالية ترجّح كفة الدولة، وتؤشر إلى أن مشروع الميلشيا يلفظ أنفاسه السياسية الأخيرة.
كلمة أخيرة
لم يبدأ السلام بعد بشكل رسمي، لكنه بات أقرب من أي وقت مضى. فحين تُهزم المشاريع التخريبية، وتُعزل المليشيات، ويُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة، فإن أولى خطوات السلام تكون قد وُضعت على الطريق الصحيح.
📧 alzomzami.analysis@gmail.com


