تمهيد: قرارات مفاجئة وسياقات متشابكة
في توقيت بالغ الحساسية، فاجأت إسرائيل العالم بقرارات وتحركات غير متوقعة، كان أبرزها ما تردد حول الاعتراف بإقليم “صومالي لاند”، في خطوة أثارت رفضًا إقليميًا واسعًا من دول محورية، على رأسها مصر وتركيا والصومال. هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، حيث تتقاطع أزمات الصومال واليمن وليبيا والسودان في خيط واحد: تفكيك الدول الوطنية وإعادة إنتاج الصراعات عبر وكلاء محليين وأمراء حرب.
رفض إقليمي واسع: صومالي لاند ليس كيانًا معترفًا
جاء الرفض المصري والتركي والصومالي لأي اعتراف بإقليم صومالي لاند ليؤكد تمسك هذه الدول بمبدأ وحدة الدول وسيادتها، ورفضها القاطع لأي محاولات لفرض وقائع جديدة خارج الشرعية الدولية. هذا الرفض يعكس إدراكًا متقدمًا لخطورة فتح باب الاعتراف بالكيانات الانفصالية، لما يحمله من تداعيات مباشرة على الأمن الإقليمي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
إسرائيل واللعب على هوامش التفكك
التحركات الإسرائيلية الأخيرة لا تبدو معزولة أو عشوائية، بل تأتي ضمن استراتيجية أوسع لاستثمار هشاشة الدول المنهكة بالحروب، والبحث عن موطئ قدم جيوسياسي عبر الاعتراف بكيانات انفصالية أو دعم قوى أمر واقع. الهدف هنا لا يقتصر على النفوذ السياسي، بل يمتد إلى التحكم في الممرات البحرية، وإعادة هندسة التوازنات الأمنية في محيط البحر الأحمر وخليج عدن.
اليمن: المهرة وحضرموت في قلب العاصفة
في هذا السياق، يبرز بيان وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية الصادر في 27 ديسمبر 2025، والذي عبّر عن القلق البالغ إزاء الإجراءات الأحادية التي قام بها المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي المهرة وحضرموت. البيان السوداني لم يكن مجرد موقف تضامني، بل قراءة واعية لمخاطر تفكيك اليمن عبر فرض وقائع بالقوة، بما يهدد وحدة البلاد ويغذي دوامة الانقسام.
وأكدت الخارجية السودانية دعمها الكامل للشعب اليمني ومجلس القيادة الرئاسي والحكومة الشرعية، والدعوة إلى تغليب المصلحة الوطنية، في رسالة تعكس إدراك الخرطوم لخطورة انتقال عدوى التفكك من دولة إلى أخرى.
أمراء الحرب: نسخة مكررة بأسماء مختلفة
عند تفكيك المشهد الإقليمي، تتكرر الأسماء والأدوات وإن اختلفت الجغرافيا:
– الصومال: أقاليم ممزقة، ونفوذ يتنازعه زعماء محليون.
– اليمن: المجلس الانتقالي الجنوبي، والمهرة، وحضرموت كنقاط اشتعال.
– ليبيا: حفتر كعنوان لانقسام مستدام.
– السودان: مليشيا الدعم السريع كأداة لتقويض الدولة.
القاسم المشترك هو تحويل السلاح من وسيلة صراع إلى مشروع سياسي، وتحويل القادة الميدانيين إلى “حكام” بدعم خارجي.
الدور الإماراتي الخفي: التمويل وإدارة الفوضى
لا يمكن تجاوز الحديث عن الدور الإماراتي في هذا السياق، حيث تشير الوقائع إلى نمط متكرر من التمويل والدعم السياسي والعسكري لقوى أمر الواقع في الصومال واليمن وليبيا والسودان. هذا الدور لا يهدف إلى الاستقرار، بقدر ما يسعى إلى إدارة الفوضى، وتقسيم الدول إلى دويلات ضعيفة يسهل التحكم فيها اقتصاديًا وأمنيًا.
السودان: حالة استثنائية في معادلة التفكيك
رغم شراسة الحرب، يظل السودان حالة مختلفة في هذا المسار. فمشروع التقسيم اصطدم بـ:
– مقاومة شعبية مسلحة.
– تماسك مجتمعي واسع.
– رفض وطني لفكرة البندقية المستأجرة.
لقد أثبتت الوقائع أن السودان، رغم النزيف، عصّي على التفكيك، وأن الرهان على المليشيات كبديل للدولة رهان خاسر.
خاتمة: إعادة تشكيل المنطقة أم سقوط المشروع؟
من الصومال إلى اليمن، ومن ليبيا إلى السودان، تتكشف ملامح مشروع إقليمي يقوم على البتر الجغرافي والتفكيك السياسي، بتمويل إماراتي وتخطيط إسرائيلي، وتنفيذ محلي عبر أمراء حرب. غير أن تصاعد الرفض الإقليمي، وتنامي الوعي الشعبي، وصمود بعض الدول – وفي مقدمتها السودان – يشير إلى أن هذا المشروع يواجه مقاومة حقيقية.
ويبقى السؤال المفتوح:
هل تنجح المنطقة في إفشال مخطط إعادة تشكيلها بالقوة، أم تفرض إرادة الشعوب معادلة جديدة تُعيد الاعب للدولة الوطنية؟

