أولاً: جنوب اليمن بعد انكشاف الفتنة… تثبيت الدولة وإنهاء العبث
بعد سنوات من الاضطراب والتجاذبات المسلحة، تدخل القضية الجنوبية في اليمن مرحلة مفصلية جديدة، عنوانها الأبرز انحسار دور الفوضى وتقدم منطق الدولة. فقد أسهمت الجهود السعودية، سياسياً وأمنياً، في إعادة ضبط الإيقاع داخل الجنوب، بالتوازي مع تراجع واضح للدور الإماراتي الذي ظلّ مرتبطاً بتغذية الانقسامات وإدارة الصراع عبر الوكلاء.
نجحت المملكة العربية السعودية في تحييد بؤر التفجير الداخلي، ودفع الأطراف اليمنية نحو مسار سياسي منضبط، أعاد الاعتبار لمؤسسات الشرعية، وأعاد ترتيب الأولويات من منطق الميلشيا إلى منطق الدولة. ولم يكن ذلك معزولاً عن إعادة الانتشار العسكري المنظم لقوات الدولة، بما أنهى حالة التفلت التي عطلت حياة المواطنين وهددت السلم الاجتماعي.
ثانياً: الحوار الجنوبي… من السلاح إلى الطاولة برعاية سعودية
في هذا السياق، يأتي الحوار الجنوبي المرتقب كاختبار حقيقي لمرحلة ما بعد الفوضى. فالدعوة السعودية للحوار لم تكن إجراءً شكلياً، بل تعبيراً عن انتقال محسوب من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها السياسية، ضمن رؤية توازن بين مطالب الجنوبيين ووحدة مؤسسات الدولة.
الأهمية هنا لا تكمن في الحوار ذاته فقط، بل في البيئة الجديدة التي يُدار فيها: بيئة خالية من الإملاءات المسلحة، ومتحررة من الأجندات الخارجية، وتحت سقف إقليمي يضع الاستقرار أولوية قصوى. وهو ما يجعل الحوار الجنوبي خطوة تأسيسية، لا محطة عابرة، في مسار إعادة بناء اليمن.
ثالثاً: من اليمن إلى السودان… الطريق ممهد للدور السعودي
ما تحقق في اليمن لا يمكن فصله عن التحول السعودي الأوسع في إدارة أزمات الإقليم. فبعد إخراج اليمن من مربع الاستنزاف المفتوح، بات الطريق ممهداً أمام المملكة للعب دور أكثر فاعلية في السودان، مستندة إلى تجربة ناجحة في تفكيك الصراعات المركبة.
السعودية، التي اختارت منذ البداية دعم الدولة السودانية ومؤسساتها، تدرك أن السلام لا يُفرض تحت النيران، ولا يُصنع عبر مليشيات موازية. ومن هنا، فإن مقاربة الرياض في السودان تقوم على وقف الحرب، وتجفيف مصادر الدعم الخارجي للمليشيات، وإعادة الاعتبار للشرعية الوطنية، بعيداً عن صفقات مؤقتة أو حلول هشة.
رابعاً: الدعم السريع والإمارات… حين لا يبقى سوى الإشاعة
في المقابل، لم يتبقَّ لقوات الدعم السريع وكفيلها الإقليمي سوى سلاح الإشاعة وبث الأكاذيب، في محاولة يائسة لتعويض الخسائر الميدانية والسياسية. فالترويج لحل مجلس السيادة، أو الادعاء بمحاصرة الأبيض عاصمة شمال كردفان، يندرج ضمن حرب نفسية مكشوفة، سرعان ما تتهاوى أمام الحقائق على الأرض.
وقد كشفت ردود الفعل الرسمية الصارمة، والتماسك الواضح في بنية الدولة، أن هذه الشائعات لم تعد قادرة على إرباك المشهد، بل باتت دليلاً إضافياً على حالة العجز التي تعيشها الميلشيا، وفشل مشروعها في إيجاد حاضنة سياسية أو شعبية حقيقية.
خامساً: تراجع المشروع الإماراتي وتبدل المعادلات الإقليمية
التشدد الإماراتي في سياسات التأشيرات، وتوسيع دوائر الإقصاء، يعكس في جوهره انكفاءً سياسياً لا قوة قرار. فالمشاريع التي راهنت على تفكيك الدول من الداخل، سواء في اليمن أو السودان، اصطدمت بجدار الوعي الإقليمي الجديد، الذي بات يربط الاستقرار بالأمن الجماعي، لا بالمصالح الضيقة.
وفي المقابل، تبرز السعودية كفاعل إقليمي يعيد صياغة المعادلة: دعم الدولة، تحجيم المليشيات، وفتح مسارات سياسية واقعية، وهو ما يمنحها مصداقية متنامية لدى شركائها الإقليميين والدوليين.
خاتمة: السلام كخيار استراتيجي لا مناورة سياسية
من جنوب اليمن إلى السودان، تتضح ملامح تحول استراتيجي تقوده المملكة العربية السعودية، قوامه الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار. فإغلاق ملف الفوضى في اليمن ليس نهاية الطريق، بل بدايته، والسودان يمثل المحطة التالية في معركة استعادة الدولة من قبضة المليشيات.
وفي زمن تتراجع فيه مشاريع الفتنة، يثبت مسار السلام الجاد أن الرهان على الدولة، مهما طال، يظل الرهان الرابح.
البريد الإلكتروني: alzomzami.analysis@gmail.com

